على مدى عقود، لعبت معاهدات الحد من التسلح دورًا رئيسيًا في وضع قيود على الترسانات النووية، وتعزيز الشفافية والرقابة، وتقليل مخاطر سوء التقدير بين القوى النووية. لكن هذه المنظومة تواجه ضغوطًا متزايدة، مع انتهاء معاهدة "نيو ستارت" الأمريكية الروسية في فبراير 2026 دون اتفاق خلف لها، واستمرار تعثر الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز نظام عدم الانتشار ونزع السلاح.

وبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام "SIPRI"، تدهور النظام العالمي للحد من الأسلحة النووية خلال 2025، في ظل ضعف العلاقات والحوار الاستراتيجي بين القوى النووية الكبرى، بينما واصلت الدول التسع المالكة للأسلحة النووية تحديث ترساناتها وتطوير أنظمة جديدة.

وفي الوقت نفسه، انتهى مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 2026 دون توافق على نتيجة ختامية موضوعية، وفق الأمم المتحدة، في ظل استمرار الخلافات حول قضايا نزع السلاح وعدم الانتشار والأمن النووي.

ومع تراجع بعض القيود التي حكمت المنافسة النووية لعقود، وتوسع بعض الترسانات وتحديثها، يبرز السؤال في اليوم الدولي للقضاء التام على الأسلحة النووية: هل يقترب العالم من مرحلة جديدة من السباق النووي، أم أن هناك فرصة لإعادة بناء منظومة الحد من التسلح قبل أن تتحول المنافسة إلى سباق أكثر اتساعًا؟

"نيو ستارت".. نهاية آخر القيود الثنائية الكبرى

كانت معاهدة "نيو ستارت" تمثل آخر اتفاق ثنائي رئيسي يفرض قيودًا ملزمة على الترسانات النووية الاستراتيجية للولايات المتحدة وروسيا، وهما الدولتان اللتان تمتلكان الغالبية العظمى من المخزون النووي العالمي.

وفي 5 فبراير 2026، انتهت المعاهدة دون أن تحل محلها اتفاقية جديدة. وقال الأمين العام للأمم المتحدة إن انتهاء "نيو ستارت" يعني أن العالم أصبح، للمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن، من دون حدود ملزمة للترسانات النووية الاستراتيجية للولايات المتحدة وروسيا.

وكانت المعاهدة، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2011، تضع سقفًا للقوات النووية الاستراتيجية المنشورة لدى البلدين، إلى جانب آليات لتبادل البيانات وإجراءات التحقق، بما وفر قدرًا من الشفافية بشأن الترسانتين.

وحذرت الأمم المتحدة من أن انتهاء المعاهدة يزيل أحد الأطر التي ساعدت خلال عقود على الحد من مخاطر سوء التقدير وتعزيز الاستقرار الاستراتيجي، داعية واشنطن وموسكو إلى العودة إلى المفاوضات والتوصل إلى إطار جديد يمكن التحقق منه.

الترسانات النووية لا تتراجع بالوتيرة نفسها

لا يعني تراجع بعض اتفاقيات الحد من التسلح أن الترسانات النووية العالمية ارتفعت جميعها بالوتيرة نفسها، لكن "SIPRI" يرصد اتجاهًا واضحًا نحو تحديث القدرات النووية.

ووفق تقديرات المعهد في يناير 2026، امتلكت الدول النووية التسع مجتمعة نحو "12,187 رأسًا نوويًا" منها نحو "9,745 رأسًا ضمن مخزونات عسكرية يمكن استخدامها" بينما كان نحو "4,012 رأسًا منشورًا" مع القوات التشغيلية. كما كان ما بين 2,100 و2,200 رأس نووي منشور في حالة تأهب تشغيلي مرتفع على صواريخ باليستية.

ويشير SIPRI إلى أن الدول النووية التسع واصلت خلال 2025 برامج تحديث ترساناتها، فيما نشرت بعض الدول أنظمة جديدة قادرة على حمل أسلحة نووية أو استخدامها. ويعني ذلك أن النقاش لم يعد يتعلق فقط بحجم الترسانات، وإنما أيضًا بتطور أنواع الأسلحة ووسائل إيصالها وقدراتها.

الصين.. توسع نووي يلفت الانتباه

تبرز الصين بصورة خاصة في التحولات الجارية؛ وتُقدّر ترسانتها النووية بنحو "620 رأسًا نوويًا" في يناير 2026، بعدما كانت تقدر بنحو 600 رأس في يناير 2025.

كما توسّع الصين توسع ترسانتها النووية بوتيرة أسرع من أي دولة أخرى، وإنها كانت قد حمّلت مئات الصواريخ في ثلاثة حقول كبيرة للصواريخ الباليستية العابرة للقارات في شمال البلاد، بالتزامن مع العمل على استكمال مواقع أخرى. ووفق التقديرات قد تمتلك الصين، بحسب طريقة هيكلة قواتها، عددًا من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات يوازي ما لدى روسيا أو الولايات المتحدة بحلول نهاية العقد.

ولا يعني ذلك أن الصين أصبحت تمتلك ترسانة مساوية للولايات المتحدة أو روسيا، لكن توسعها يضيف عنصرًا جديدًا إلى الحسابات الاستراتيجية، بعدما كانت معادلة الحد من الأسلحة تتركز بصورة أساسية على القوتين النوويتين الأكبر.

معاهدة عدم الانتشار

تمثل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية "NPT" أحد أهم أطر النظام النووي العالمي، إذ تقوم على ثلاثة محاور رئيسية: عدم الانتشار، ونزع السلاح النووي، والاستخدامات السلمية للطاقة النووية. لكن آلية مراجعة المعاهدة تواجه صعوبات متكررة في الوصول إلى توافق بين الدول الأطراف. وفي ختام مؤتمر المراجعة لعام 2026، قالت الأمم المتحدة إن المؤتمر لم يتمكن من التوصل إلى توافق بشأن نتيجة ختامية موضوعية.

وتأتي هذه النتيجة بعد أن فشل مؤتمرا المراجعة في عامي 2015 و2022 أيضًا في الاتفاق على الجزء الموضوعي من الوثيقة الختامية، ما يجعل مؤتمر 2026 الثالث على التوالي الذي لا يحقق توافقًا بشأن النتيجة الموضوعية للمؤتمر.

وبالنسبة للأمم المتحدة، تظل معاهدة عدم الانتشار حجر الأساس لنظام نزع السلاح وعدم الانتشار النووي، لكن تعثر آلية المراجعة يعكس حجم الخلافات التي تواجه الدول في التعامل مع قضايا الأمن النووي ونزع السلاح.

حظر التجارب النووية

تمثل معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية "CTBT" مسارًا آخر للحد من تطوير الأسلحة النووية، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ حتى الآن. ووفق منظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية "CTBTO"، بلغ عدد الدول الموقعة على المعاهدة 188 دولة، فيما صدقت عليها 179 دولة حتى يوليو 2026، مع بقاء دول أخرى لم تستكمل إجراءات التصديق المطلوبة لدخول المعاهدة حيز التنفيذ.

ويعكس استمرار عدم دخول المعاهدة حيز التنفيذ إحدى الفجوات القائمة في منظومة الحد من الأسلحة النووية، إذ لا يزال الإطار الدولي لحظر جميع التجارب النووية غير مكتمل من الناحية القانونية.

ولا ترتبط المخاطر النووية فقط بعدد الرؤوس الموجودة، بل أيضًا بالتطورات التكنولوجية والأنظمة الجديدة التي يمكن أن تؤثر في الاستقرار الاستراتيجي. كما أن التقدم في تقنيات الأسلحة، وتداخل القدرات النووية وغير النووية، إلى جانب التوترات الجيوسياسية وتراجع أطر الحد من التسلح، كلها عوامل تزيد مخاطر سوء التقدير والتصعيد. ويعني ذلك أن أي سباق تسلح محتمل في المرحلة المقبلة قد لا يكون مجرد منافسة على زيادة أعداد الرؤوس النووية، بل قد يشمل تطوير وسائل إيصال أكثر تقدمًا، وتحسين أنظمة الإنذار والقيادة والسيطرة، ودمج تقنيات جديدة في القدرات العسكرية.

هل دخل العالم عصرًا جديدًا من السباق النووي؟

لا تقدم المعطيات الحالية دليلًا على أن العالم دخل بالفعل سباقًا نوويًا جديدًا بالمعنى التقليدي، لكن هناك بعض المؤشرات التي تعكس تغير البيئة النووية: تحديث الترسانات في الدول التسع، توسع الصين، انتهاء "نيو ستارت"، وتراجع آليات الشفافية والحد من التسلح. وفي المقابل، لا تزال هناك معاهدات ومؤسسات دولية تشكل أساسًا لمنظومة عدم الانتشار ونزع السلاح، كما أن انتهاء "نيو ستارت" لا يمنع من التفاوض على إطار جديد، وهو ما دعت إليه الأمم المتحدة صراحة.