تنعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام وسط أزمات متصاعدة وتوترات جيوسياسية، تضع دور المنظمة الدولية أمام اختبار جديد. وتأتي الدورة الحادية والثمانون تحت شعار (استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع)، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول قدرة الأمم المتحدة على الحفاظ على أهميتها، وتعزيز التعاون الدولي في مواجهة أزمات تتجاوز حدود الدول.
تواجه الأمم المتحدة ضغوطًا متزايدة للحفاظ على دورها الدولي، في ظل تراجع الدعم الأمريكي للمنظمة. فقد خفضت إدارة الرئيس دونالد ترامب مساهمات الولايات المتحدة، وانسحبت من عدد من الهيئات التابعة للأمم المتحدة، بينما لا تزال واشنطن مدينة للمنظمة بأكثر من مليار دولار. ورغم دفع 725 مليون دولار من المساهمات في الميزانية العادية مؤخرًا، تواصل الولايات المتحدة المطالبة بخفض النفقات وإجراء إصلاحات في المنظمة.
ويبرز غياب بعض القوى الكبرى عن اجتماعات الجمعية العامة هذا العام، إذ يغيب الرئيس الصيني شي جين بينغ عن نيويورك، مفضلًا إجراء محادثات مع ترامب في واشنطن. ويتزامن ذلك مع اقتراب نهاية ولاية الأمين العام أنطونيو غوتيريش في نهاية 2026، وسط عدم وجود مرشح واضح يتصدر السباق لخلافته، ما يفتح نقاشًا حول مستقبل قيادة المنظمة ودورها الدولي.
ملفات عالمية متشابكة
وتأتي هذه التحديات في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى التعاون الدولي لمعالجة أزمات تتجاوز حدود الدول، من تغير المناخ إلى التوترات الجيوسياسية وأمن الطاقة. ويبرز تغير المناخ في مقدمة هذه الملفات، بعدما تجاوز متوسط درجة حرارة العالم في أغسطس الماضي مستوى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، إذ بلغ 1.65 درجة مئوية وفق بيانات خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ. ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه الدول، بموجب اتفاقية باريس للمناخ لعام 2015، إلى إبقاء الاحترار العالمي أقل بكثير من درجتين مئويتين، مع مواصلة الجهود لحصره عند 1.5 درجة مئوية. ومع تصاعد هذه التحديات، تدفع الدول الأكثر تأثرًا بالمناخ نحو تحرك دولي عاجل.
وفي ظل هذه الضغوط، يبرز تعزيز التعاون الدولي واستعادة الثقة كعاملين أساسيين في مستقبل الأمم المتحدة. وقال الأمين العام أنطونيو غوتيريش إن الحاجة إلى رقابة أقوى ستكون محورًا رئيسيًا لمحادثاته مع القادة، فيما شددت كايسي براون، المديرة المساعدة للدبلوماسية المناخية والجغرافيا السياسية في مركز E3G، على أهمية التمسك بالتعاون الدولي في مواجهة الأزمات المتزامنة. وتضع هذه الدعوات المنظمة أمام اختبار يتمثل في قدرتها على تعزيز العمل المشترك وتحقيق نتائج ملموسة للدول الأعضاء.
وتتسع دائرة التحديات الجيوسياسية لتشمل غرينلاند، حيث وقّع ترامب وقادة غرينلاند والدنمارك اتفاقًا يسمح بوجود عسكري أمريكي أكبر في الجزيرة، في خطوة أنهت مواجهة دبلوماسية استمرت أشهرًا حول موقعها الاستراتيجي وثرواتها. ويعكس هذا الملف جانبًا آخر من القضايا الدولية التي تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والبيئية.
ومع تعدد الأزمات وتراجع بعض مظاهر التعاون الدولي، تدخل الأمم المتحدة مرحلة تختبر قدرتها على الاستجابة للتحديات العالمية. وبين الدعوات إلى استعادة الثقة وتعزيز الرقابة، يبقى نجاح المنظمة مرتبطًا بقدرتها على جمع الدول حول حلول مشتركة وتحقيق نتائج ملموسة في الملفات العابرة للحدود.




