لم تعد المواجهة بين أوكرانيا وروسيا محصورة في ساحات القتال داخل أوروبا، إذ توسّعت تحركات كييف إلى أفريقيا والشرق الأوسط، مستفيدة من خبرتها في حرب المسيّرات لبناء شراكات جديدة والضغط على موسكو في مناطق نفوذها.
في شمال مالي، ينتشر نحو 15 متخصصًا أوكرانيًا لمساعدة قوات متمردة تقاتل القوات الروسية، ضمن مجموعة مرتبطة بـ"جبهة تحرير أزواد"، التي تتكون في معظمها من متمردي الطوارق. ولا يشارك الأوكرانيون مباشرة في القتال على الخطوط الأمامية، لكنهم يقدمون الدعم والتدريب والمساعدة العملياتية.
ويشرح أحد مشغلي المسيّرات الأوكرانيين في مالي أن دوره يتمثل في تنسيق العمليات عن بُعد؛ إذ تصله إشارة المسيّرة عبر الإنترنت، ثم يوجه المقاتلين عبر اللاسلكي بشأن ما يجب فعله ومسار التحليق، قبل مراجعة تفاصيل المهمة معهم بعد عودتهم.
خبرة أوكرانية تتحول إلى أداة خارجية
لا يقتصر الانتشار الأوكراني على مالي؛ إذ كشف مصدر في الاستخبارات الدفاعية عن وجود متخصصين أوكرانيين في السودان، فيما سبق أن سافرت قوات من تشاد والنيجر وبوركينا فاسو إلى مالي لتلقي تدريبات على تشغيل المسيّرات.
وفي الشرق الأوسط أيضًا، أرسلت أوكرانيا فرقًا من الخبراء العسكريين إلى خمس دول على الأقل، بعدما بدأت إيران في استهداف حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. وأمضى الخبراء عدة أسابيع في تدريب القوات المحلية على إسقاط مسيّرات شاهد الإيرانية الصنع التي تستخدمها روسيا في حربها ضد أوكرانيا.
وفي المقابل، حصلت كييف على اتفاقيات للتعاون الأمني ووعود بتوفير الذخيرة.
وتأتي هذه التحركات في منطقة تحاول روسيا تعزيز نفوذها فيها، خصوصًا الساحل الغني بالمعادن والمعرض للانقلابات. وبعد انسحاب القوات الفرنسية والغربية، سعت موسكو إلى ملء الفراغ الأمني عبر دعم حكومات محلية مقابل أموال وحقوق تعدين.
في البداية، اعتمدت روسيا على مجموعة فاغنر، قبل أن تدمج ما تبقى منها مع قواتها النظامية عقب وفاة مؤسسها يفغيني بريغوجين بعد محاولته الانقلابية عام 2023، لتنشئ الفيلق الأفريقي الذي يعمل إلى جانب حلفاء موسكو المحليين.
كيدال.. اختبار لقوة المسيّرات
تعود أولى الاتهامات بوجود تعاون أوكراني مع الطوارق إلى عام 2024، عندما نصب المتمردون كمينًا قرب تنزاواتين على الحدود مع الجزائر، قُتل خلاله عشرات من مقاتلي فاغنر والجنود الماليين.
وقال المتحدث باسم الاستخبارات الدفاعية الأوكرانية آنذاك إن المتمردين حصلوا على المعلومات اللازمة لمواجهة الروس، قبل أن تنفي كييف لاحقًا وجود تعاون واسع معهم. وأثارت التصريحات غضب السلطات العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، التي تقدمت بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي متهمة أوكرانيا بدعم الإرهاب.
وفي وقت سابق من هذا العام، قال مشغل مسيّرات أوكراني إن الأوكرانيين ساعدوا المتمردين خلال السيطرة على مدينة كيدال شمال مالي، حيث شن متمردو الطوارق ومسلحون مرتبطون بتنظيم القاعدة هجمات متزامنة على القوات الروسية، ما أجبرها على الانسحاب والتفاوض على ممر آمن للخروج.
واتهمت وزارة الدفاع الروسية كييف بالمشاركة في الهجوم، وقالت إن مدربين أوكرانيين وأوروبيين دربوا المتمردين قبله.
يرى محلل شؤون غرب أفريقيا في منظمة ACLED هيني نسيبيا أن خسارة كيدال كانت انتكاسة كبيرة للنظام المالي والقوات الروسية التي تدعمه، رغم أن الوضع كان يمكن أن يكون أسوأ لولا دعم الفيلق الأفريقي الروسي.
وتقول المصادر الأوكرانية إن الشراكة مع الطوارق تقوم على المصلحة أكثر من القناعة؛ فالاختلافات الثقافية والدينية لا تمنع التعاون عندما يكون الطرفان في مواجهة الخصم نفسه.
الصحراء وليبيا.. ساحات جديدة
تمنح مالي الأوكرانيين فرصة لاختبار معداتهم ومهاراتهم في ظروف مختلفة جذريًا عن الجبهة الداخلية. فالحرارة تتجاوز 110 درجات فهرنهايت نهارًا، والمياه شحيحة، بينما يؤدي الغبار والرمال إلى أعطال أسرع في المعدات، ويجعل أنظمة التبريد والبطاريات وحماية الإلكترونيات بحاجة إلى تكيّف مستمر.
كما تختلف طبيعة القتال؛ فبينما تعتمد الحرب في أوكرانيا على ضربات واسعة وضغط متواصل، تقوم المواجهات في مالي بصورة أكبر على الحركة عبر مساحات شاسعة والكمائن والسيطرة على الطرق والعمل ضمن مجموعات صغيرة.
وفي ليبيا، تتمركز وحدات أوكرانية في شمال غربي البلاد منذ نهاية عام 2025، وفق مصدر في الاستخبارات الدفاعية. وتستخدم إحدى الوحدات قاعدة عسكرية دولية في مصراتة نقطة انطلاق لمهاجمة الأسطول الروسي الظل من ناقلات النفط، مقابل تدريب القوات المحلية.
وكُشف جانب من هذه العمليات بعدما عثر صيادون يونانيون قرب جزيرة ليفكادا على مسيّرة بحرية أوكرانية تحمل متفجرات، بعد خروجها عن سيطرة مشغليها في ليبيا. وقدمت كييف اعتذارًا رسميًا عن الحادث، بينما ألقت باللوم على روسيا بسبب استخدام أسطول الظل لبيع النفط رغم العقوبات الدولية.
ورغم محدودية أعداد القوات الأوكرانية المنتشرة، فإن هذه العمليات تعكس ثقة متزايدة لدى كييف بأن خبرتها في حرب المسيّرات رفعت مكانتها عالميًا، وتحول هذه الخبرة إلى أداة للضغط على روسيا وبناء شراكات جديدة واختبار قدراتها خارج ساحات الحرب التقليدية.




