في مكتب صغير بجدة عام 1839 لم يكن أحد يظن أن هذا الحضور الفرنسي البسيط سيتحول بعد قرن ونصف إلى شراكة تضم اتفاقيات دفاعية بمليارات الدولارات، ومشاريع سياحية عملاقة في صحراء العلا، وأوركسترا سعودية تعزف على مسرح باريسي عريق، لتتوج اليوم بـزيارة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا.
من تلك البداية المحدودة نمت علاقة اتسعت لتشمل الدفاع والطاقة والثقافة والاستثمار، حتى بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 11.793 مليار دولار في 2025، بارتفاع 7.2% عن العام السابق، وهو رقم يختصر بذاته مسافة الطريق الذي قُطع منذ تلك القنصلية الأولى.
ذلك المكتب الصغير نفسه يحمل في تفاصيله بداية هذا الطريق الطويل، حيث ظلت تلك القنصلية طوال عقود طويلة نافذة فرنسا الوحيدة على شبه الجزيرة العربية، إلى أن جاءت عام 1926 اللحظة التي غيرت طبيعة الحضور، حين اعترفت فرنسا رسميًا بمملكة الحجاز ونجد قبل توحيدها عام 1932، وكانت من أوائل الدول التي بادرت بهذا الاعتراف، وتبع ذلك تبادل زيارات مبكرة ناقشت التعاون في الدفاع والطاقة والاستثمار والثقافة، غير أن العلاقة ظلت في حدودها الأولية أربعة عقود كاملة قبل أن تشهد تحولها الأكبر.
زيارة غيرت مسار العلاقة
جاء هذا التحول حين زار الملك فيصل بن عبد العزيز فرنسا عام 1967، والتقى الرئيس شارل ديجول، ففتحت هذه الزيارة أبوابًا جديدة للتعاون في قطاعات متعددة، وتوج هذا التقارب بتوقيع اتفاقية مساعدة عسكرية بارزة في يناير 1972، نوعت مصادر تسليح المملكة وجعلت فرنسا موردًا رئيسيًا للمعدات العسكرية.
وبعد ذلك بخمس سنوات أصبح فاليري جيسكار ديستان أول رئيس فرنسي يزور السعودية رسميًا في يناير 1977، والأثر الأكبر لم يأتِ من الزيارة نفسها، وإنما من خطاب تاريخي ألقاه ديستان وصف فيه السعودية بأنها قوة عالمية، فعزز هذا الوصف مكانة المملكة المتصاعدة على الساحة الدولية.
شراكة اقتصادية تترسخ
توازى هذا التقدم السياسي مع محطة اقتصادية مهمة في يونيو من العام نفسه، حين أصدر الملك خالد بن عبد العزيز مرسومًا ملكيًا أسس بموجبه البنك السعودي الفرنسي، الذي تحول لاحقًا إلى شركة مساهمة سعودية عام 2002، وورث الكيان الجديد عمليات بنك الهند الصينية والسويس الفرنسي في المملكة، فاحتفظت المؤسسة الفرنسية بحصة أقلية وإدارة تقنية، بينما امتلك المساهمون السعوديون الحصة الأكبر.
وعلى وقع هذا الزخم توالت الزيارات الرسمية، فسافر الملك خالد إلى باريس عام 1978 في أول زيارة دولة له لفرنسا، وعاد ديستان إلى الرياض في مارس 1980، وزار الرئيس فرانسوا ميتران المملكة في سبتمبر 1981 كأول زيارة رسمية له خارج أوروبا بعد انتخابه، وقام الملك فهد بن عبد العزيز بأول زيارة دولة له لفرنسا كحاكم للمملكة عام 1984.
الثقافة تفتح جسورًا جديدة
لم تقتصر هذه العلاقة المتنامية على السياسة والاقتصاد، فقد التقى الأمير سلمان بن عبد العزيز، حينها أمير منطقة الرياض، الرئيس جاك شيراك في باريس عام 1997، ووقع الطرفان ميثاق تعاون وصداقة بين العاصمتين، سهل تبادل الخبرات بين السلطات المحلية في مجالي التخطيط العمراني والبنية التحتية.
ومع بداية الألفية الجديدة تأسس مجلس الأعمال السعودي الفرنسي عام 2001، فحوّل تدريجيًا الإطار الاقتصادي الثنائي نحو شراكات مباشرة بين القطاع الخاص، وزار ولي العهد الأمير عبد الله باريس رسميًا في أبريل 2005، في آخر زيارة أوروبية كبرى له قبل توليه الحكم في أغسطس من العام نفسه..
جدد البلدان اتفاقية التعاون الدفاعي عام 2006 لتحديث الإطار العسكري التأسيسي لعام 1972، وعاد الملك عبد الله إلى باريس في زيارة رسمية مع الرئيس نيكولا ساركوزي في يونيو 2007، تلتها زيارة ساركوزي للمملكة في يناير 2008 لمدة يومين شملت توقيع اتفاقيات في قطاعات النفط والغاز والتعدين.
وفي مسار مواز افتتح معهد الأليانس فرانسيز مراكزه في السعودية عام 2010 لتعليم اللغة الفرنسية، ثم زار الرئيس فرانسوا هولاند الملك عبد الله في الرياض في ديسمبر 2013 لمدة يومين ركزا فيهما على التعاون التجاري والاستقرار الإقليمي.
قفزة نوعية في عهد الأمير محمد بن سلمان
مع صعود الأمير محمد بن سلمان دخلت العلاقات مرحلة جديدة، فزار الرياض الرئيس ماكرون في نوفمبر 2017 عقب هجوم صاروخي حوثي مدعوم من إيران استهدف الرياض، وتعهد الرئيس الفرنسي بالعمل مع السعودية لضمان استقرار المنطقة ومكافحة الإرهاب.
وجاء أبريل 2018 بزيارة تاريخية، إذ قام ولي العهد بأول زيارة رسمية له لفرنسا والتقى ماكرون لترسيخ الروابط الاقتصادية، فتجاوزت قيمة العقود التجارية الموقعة 18 مليار دولار، وأسس البلدان خلال هذه الزيارة شراكة بارزة لتطوير العلا كوجهة عالمية للثقافة والتراث والسياحة المستدامة.
منذ تلك اللحظة بدأت العلا تتحول إلى الفصل الأكثر تجسيدًا لهذا التلاقي الحضاري، فشهدت الفترة بين 2018 و2019 زخمًا استثنائيًا في المشروع، حين أطلقت كامبوس فرانس برامج تدريبية لتأهيل السعوديين للعمل في قطاع الضيافة هناك، وتأسست وكالة أفالولا في باريس لدعم تطوير المنطقة.
وانطلق المشروع السياحي فعليًا في فبراير 2019، وتضمنت خططه منتجعًا فاخرًا صممه المعماري الفرنسي الحائز جائزة بريتزكر جان نوفيل، ورافق ذلك تنفيذ مشروع الترام الصديق للبيئة بالتعاون مع شركة ألستوم الفرنسية، وأُطلقت مؤسسة فيلا حجر كأول مركز ثقافي سعودي فرنسي مشترك في العلا ومنصة للفنون البصرية والإبداع.
وانتقل هذا التعاون إلى باريس نفسها في أكتوبر 2019، حين أقيم معرض «العلا.. عجائب الجزيرة العربية» في معهد العالم العربي، وسلّط الضوء على الكنوز الثقافية للمملكة.
من القمم الدولية إلى الصفقات الاستراتيجية
استضافت السعودية قمة العشرين في مارس 2020، وشارك فيها ماكرون افتراضيًا ضمن نقاشات مواجهة كورونا، وجاءت زيارة تاريخية أخرى في ديسمبر 2021، حين زار ماكرون جدة والتقى ولي العهد، ووقع الطرفان خلالها اتفاقيات استراتيجية وثقافية وسياحية متعددة.
من أبرز هذه الاتفاقيات ما وقعه وزير السياحة أحمد الخطيب مع نظيره الفرنسي فرانك رييستر لتعزيز التعاون السياحي، وقال الخطيب خلال التوقيع «أنا سعيد أن فرنسا شريكنا القريب في تطوير نشاطنا السياحي، لدينا بالفعل تاريخ طويل وعلاقة قوية، وهذا الاتفاق سيقود إلى تعزيز تعاوننا في مجال السياحة».
وفي العام نفسه شارك وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان في المؤتمر الدولي لدعم السودان وقمة باريس لتمويل الاقتصادات الأفريقية التي استضافها الرئيس الفرنسي، ثم توالت الزيارات بين ولي العهد ورئيس الوزراء لفرنسا في يوليو 2022 ويونيو 2023.
حين عزفت الرياض على أوتار باريس
بلغ هذا التلاقي الحضاري ذروة رمزية حين استضافت باريس أول حفل للأوركسترا والجوقة الوطنية السعودية خارج المملكة في أكتوبر 2022، إذ قدمت الأوركسترا الملكية الفلهارمونية الفرنسية عرضًا مشتركًا بعنوان «روائع الموسيقى السعودية» على مسرح الشاتليه، بقيادة المايسترو عماد ظاظا بالتعاون مع أمين قويدر، وتضمن العرض مزيجًا من الأغاني الشعبية السعودية بأساليب المجرور والمزمار والخبيتي والسامري، أعقبه العرض الأول عالميًا لمقطوعة «جدة» التي ألّفها الإيطالي أنطونيو برناردي.
وعلى الصعيد الاقتصادي بلغت صادرات المملكة غير النفطية لفرنسا 1.3 مليار ريال، بينما وصلت الواردات إلى 14.7 مليار ريال عام 2022، ثم قفز التبادل التجاري إلى 11.793 مليار دولار في 2025 بنمو 7.2% عن العام السابق، يعكس التزام البلدين بتوسيع الروابط الاقتصادية والاستثمارية.
وزار الرئيس ماكرون السعودية في ديسمبر 2024، واتفق الطرفان على ثلاثة أهداف رئيسية، شملت التنمية الوطنية والدفاع والاستقرار الإقليمي والعالمي وقضايا مناخية عالمية، وفي سبتمبر 2025 قدّمت السعودية وفرنسا معًا طلبًا للجمعية العامة للأمم المتحدة لاستئناف المؤتمر الدولي الرفيع المستوى حول حل الدولتين والقضية الفلسطينية.
وامتد أثر هذه الشراكة إلى ميدان لم يكن متوقعًا حين سجّلت يوليو 2026 محطة رياضية لافتة، إذ أصبحت باريس أول مدينة دولية تستضيف كأس العالم للرياضات الإلكترونية خارج الرياض، فعزز هذا الحدث طموح مؤسسة الرياضات الإلكترونية في التناوب العالمي طويل الأمد. ويتطلع البلدان الآن نحو خطة عمل مشتركة تمتد من 2023 إلى 2028، تركز على الذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية الخضراء وتحفيز التنمية في السياحة والرياضة والترفيه.
وهكذا يعكس قرن كامل من العلاقات الرسمية النظرة الفرنسية للمملكة بوصفها حليفًا موثوقًا يلعب دورًا محوريًا في ترسيخ السلام والاستقرار بالمنطقة، وها هي زيارة ولي العهد إلى باريس اليوم تفتح فصلاً جديدًا من هذه الشراكة.













