على مدار السنوات الأربع الأخيرة، أعادت الحروب والصراعات تشكيل سباق السلاح العالمي؛ من طبيعة الأسلحة التي ارتفع عليها الطلب، إلى حجم المخزونات ومصادر التسليح والقدرة المحلية على الإنتاج. ومع تصاعد التوترات، انتقل سوق السلاح من الاستجابة لخطط تسليح طويلة الأجل إلى تلبية احتياجات آنية فرضتها ساحات القتال بصورة أكثر إلحاحًا.
أوكرانيا.. تحوّل الصناعة على وقع الحرب
كانت الحرب الروسية الأوكرانية أبرز محركات هذا التحول، لكنها لم تكن العامل الوحيد؛ إذ تزامنت معها توترات جيوسياسية وصراعات في مناطق مختلفة، دفعت دولًا إلى إعادة تقييم احتياجاتها الدفاعية والاستعداد لاحتمالات صراعات طويلة الأمد.
وتمثل أوكرانيا النموذج الأكثر وضوحًا لتأثير الحرب في صناعة السلاح. فعلى الرغم من اعتمادها الكبير على المساعدات العسكرية الخارجية منذ فبراير 2022، تمكنت صناعتها المحلية من زيادة الإنتاج وتطوير قدراتها بصورة كبيرة. وتعرضت مصانع عدة لأضرار نتيجة قربها من مناطق القتال والهجمات الروسية، ما دفع الشركات إلى نقل الإنتاج وإعادة هيكلته.
لكن الحرب، في الوقت نفسه، سرعت تحول الصناعة الأوكرانية إلى اقتصاد حرب. وبحلول 2024، كانت مئات الشركات تعمل في مجال تصنيع الأسلحة، مع زيادة كبيرة في التمويل الحكومي للصناعة الدفاعية.
وأدى ذلك إلى تحول آخر؛ فلم تعد الصناعة الأوكرانية تركز فقط على الأسلحة التقليدية، بل توسعت في تطوير المسيّرات والتقنيات العسكرية الجديدة. فقد فرضت طبيعة الحرب حاجة مستمرة إلى الابتكار وسرعة تطوير المعدات وتجربتها في الميدان. وساعدت مبادرات حكومية، مثل منصة Brave1، في ربط الشركات الناشئة والمطورين والجهات الحكومية والمستثمرين في قطاع التقنية العسكرية.
أوروبا تعيد التسلّح
كشفت الحرب الأوكرانية – الروسية أهمية امتلاك مخزونات كبيرة من الأسلحة والذخائر، بعدما أظهرت العمليات العسكرية استهلاكًا مرتفعًا للذخائر والحاجة المستمرة إلى تعويضها. كما برزت أهمية أنظمة الدفاع الجوي في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب الصواريخ بعيدة المدى وأنظمة الاستطلاع والحرب الإلكترونية.
ولذلك، لم تعد الدول تركز فقط على شراء منصات عسكرية متطورة، بل أصبحت بحاجة أيضًا إلى كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر التي يمكن استخدامها وإعادة توفيرها بسرعة.
هذا التحول انعكس بوضوح في أوروبا، التي بدأت إعادة بناء مخزوناتها الدفاعية بعد سنوات من التركيز بدرجة أكبر على الكفاءة وتقليص الإنفاق العسكري. وفي قمة الناتو في لاهاي عام 2025، التزم الحلفاء برفع استثماراتهم الدفاعية إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035؛ بواقع 3.5% لتلبية متطلبات الدفاع الأساسية، وما يصل إلى 1.5% للاستثمارات الأوسع المرتبطة بالدفاع والأمن، مثل حماية البنية التحتية الحيوية والأمن السيبراني والابتكار والمرونة المدنية.
وفي 2025، زاد الحلفاء الأوروبيون وكندا إنفاقهم الدفاعي بنحو 20% بالقيمة الحقيقية مقارنة بالعام السابق، في مؤشر على أن التحول لا يقتصر على شراء أسلحة إضافية، وإنما يرتبط بإعادة بناء القدرات العسكرية على المدى الطويل. وبين دول الاتحاد الأوروبي؛ ارتفع الإنفاق الدفاعي بشكل متواصل منذ 2021، وبلغ في 2025 نحو 418 مليار يورو، مع توقع ارتفاعه إلى 454 مليار يورو في 2026.
ولم يكن السمة المميزة لهذه الفترة هو زيادة حجم الإنفاق فقط، بل وجهته أيضًا. ففي 2025، ارتفعت الاستثمارات الدفاعية الأوروبية إلى مستوى قياسي، وتزايد الإنفاق على شراء المعدات الدفاعية، كما ارتفع تمويل البحث والتطوير. وهذا يعني أن الأموال الجديدة لا تذهب فقط إلى تشغيل الجيوش، وإنما إلى شراء معدات جديدة وتطوير قدرات إنتاجية وتكنولوجية.
كما يدعم الاتحاد الأوروبي مبادرات تستهدف تعزيز التعاون بين الدول في المشتريات الدفاعية، وتوسيع القاعدة الصناعية، وزيادة إنتاج الذخائر، وتمويل البحث والتطوير، بما يعكس توجهًا نحو تقليل نقاط الضعف التي كشفتها الحرب.
الولايات المتحدة.. إنفاق دفاعي قياسي
لا تقتصر موجة إعادة التسلح على أوروبا، إذ تتجه الولايات المتحدة أيضًا إلى زيادة إنفاقها الدفاعي؛ فقد طلبت إدارة الرئيس دونالد ترامب من الكونغرس اعتماد نحو 1.5 تريليون دولار للدفاع في موازنة 2027، بزيادة تقارب 42% عن مستوى 2026. وهو التضخم الأوسع من نوعه منذ الحرب العالمية الثانية.
ويعكس الطلب توجه واشنطن إلى تعزيز الجاهزية العسكرية وتوسيع القاعدة الصناعية الدفاعية، بما يشمل زيادة إنتاج الأسلحة والذخائر ودعم القدرات العسكرية، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى إعادة بناء مخزوناتها وتلبية الطلب المتزايد محليًا ودوليًا.
وتحولت الأسلحة بدافع الحروب إلى جزء أصيل من الأمن الصناعي والاستراتيجي للدول، وليس فقط سلعة يمكن شراؤها. فأوكرانيا، رغم تطويرها إنتاجًا محليًا لبعض أنواع الأسلحة والذخائر، لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الأسلحة الغربية، ما دفعها إلى البحث عن شراكات تساعدها على توسيع قدراتها الإنتاجية.
وفي هذا السياق، عززت شركات دفاع أمريكية وأوروبية وجودها في أوكرانيا، من خلال إنشاء مرافق إنتاج ومشاريع مشتركة مع شركات محلية. ولا تقتصر أهمية هذه الشراكات على زيادة الإنتاج، بل تمتد إلى نقل التقنية وتوحيد معايير الأسلحة مع متطلبات حلف الناتو.
كما جمعت أوكرانيا أكثر من 1.5 مليار دولار بحلول 2024 من تسع دول مانحة غربية للاستثمار في صناعتها العسكرية المحلية، في محاولة لتقليل الاعتماد على الواردات والمساعدات الخارجية.
نمو التجارة البينية للسلاح
لم تنعكس الحرب على طبيعة الأسلحة أو طرق إنتاجها فقط، بل امتدت إلى خريطة تجارة السلاح نفسها. خلال الفترة 2021–2025، ارتفع حجم نقل الأسلحة الرئيسية بين الدول عالميًا بنسبة 9.2% مقارنة بالفترة الخمسية السابقة، لكن الزيادة الأبرز جاءت في أوروبا؛ إذ تجاوزت وارداتها ثلاثة أضعاف مستويات الفترة السابقة.
وأصبحت أوكرانيا أكبر مستورد للأسلحة الرئيسية في العالم خلال 2021–2025، بنسبة 9.7% من إجمالي واردات الأسلحة العالمية، بعدما كانت وارداتها محدودة قبل الحرب. وفي المقابل، عززت الولايات المتحدة موقعها كأكبر مورد عالمي بحصة قدرها 42% من إجمالي صادرات الأسلحة العالمية، بينما تراجعت صادرات روسيا بصورة كبيرة.
وامتد أثر هذا التحول إلى شركات السلاح نفسها. فمع ارتفاع الطلب، بدأت شركات الدفاع في توسيع خطوط الإنتاج والمنشآت، إلا أن زيادة الإنتاج لم تكن فورية؛ إذ توجد فجوة زمنية بين توقيع العقود وظهور أثرها في الإنتاج والإيرادات.
وأظهرت الحرب أيضًا اختلاف قدرة الشركات على الاستجابة؛ فبينما واجهت بعض الشركات الأمريكية والأوروبية صعوبة في تحويل الطلب المتزايد إلى إنتاج سريع، تمكنت شركات في دول مثل كوريا الجنوبية وتركيا من الاستفادة من الطلب الجديد والتوسع بصورة أسرع.
وفي أوروبا، حققت صناعة الدفاع عائدات مرتفعة في 2024، مع نمو في قطاعات الطيران العسكري والبحرية والأنظمة البرية، بالتزامن مع زيادة كبيرة في الوظائف والاستثمارات.












