تراجعت خطة إعادة إعمار غزة التي يتبناها مجلس السلام المدعوم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من مشروع واسع لإعادة إعمار القطاع بالكامل إلى مشروع تجريبي محدود في جنوب غزة، وسط تعثر التنفيذ واستمرار المخاوف من تصعيد عسكري جديد للاحتلال قبل الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر.
ويقتصر المشروع الجديد على إنشاء مخيم مؤقت يستوعب جزءًا محدودًا من نحو مليوني نازح في القطاع، على أن يُدار من قِبل إدارة فلسطينية، مع قوة شرطة فلسطينية وقوة أمنية دولية صغيرة، بحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية.
وخلال الأسابيع الماضية، بدأت بعض الخطوات التحضيرية، إذ وصل ضباط من المغرب وكوسوفو إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة تمهيدًا لتشكيل نواة قوة دولية تتولى حماية المخيم، فيما أوشكت قاعدة لوجستية قرب معبر كرم أبو سالم على الاكتمال لتخزين المركبات والمعدات الخاصة بالقوة المستقبلية.
لكن الأعمال الميدانية داخل موقع المشروع قرب رفح لم تبدأ بعد، كما لم يُشرع في إنشاء قاعدة الدعم الخاصة بالقوات الإسرائيلية، وتُظهر صور الأقمار الصناعية وجود أعمال حفر فقط، من دون أي مبانٍ جديدة، بينما يستبعد مسؤولون تحقيق تقدم ملموس قبل انتخابات الاحتلال.
انتقادات وضغوط خلف الكواليس
تعرض نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لغزة الذي عينه مجلس السلام، لانتقادات بعد تقرير قدمه إلى مجلس الأمن في مايو، إذ حمّل حركة حماس مسؤولية تعثر عملية السلام دون الإشارة بشكل مباشر إلى الانتهاكات الإسرائيلية.
وفي المقابل، كشفت رسالة سرية بعث بها أرييه لايتستون، كبير مفاوضي إدارة ترامب لدى الاحتلال ومستشار مجلس السلام، إلى حكومة نتنياهو في يونيو، عن مطالب بتخفيف القيود على دخول المواد الإنسانية المصنفة "ذات الاستخدام المزدوج"، والتي تشمل أنابيب المياه والألواح الشمسية.
كما تضمنت الرسالة دعوة للسماح بدخول قوة أمنية دولية وقوة شرطة فلسطينية معتمدة إلى غزة، إلا أن حكومة الاحتلال لم توافق حتى الآن على هذه الطلبات، بحسب الصحيفة البريطانية.
"معسكر اعتقال" أم إعادة إعمار!
كانت الرؤية الأصلية للمشروع، التي طرحها جاريد كوشنر في يناير، أساسها إعادة بناء البنية التحتية في مختلف أنحاء غزة خلال 100 يوم، بما يشمل شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والمستشفيات والمخابز.
لكن بعد أشهر من التعثر، خرجت اجتماعات عقدت في قبرص قبل أسبوعين بخطة أكثر محدودية، شارك فيها نيكولاي ملادينوف، وأرييه لايتستون، ومستشارون من معهد توني بلير، وأعضاء اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
ويقضي التصور الحالي بإنشاء مخيم من الوحدات السكنية المتنقلة لعشرات الآلاف من النازحين في المنطقة العازلة قرب رفح، مع انسحاب قوات الاحتلال من محيطه، وتولي قوة أمنية دولية وشرطة فلسطينية مسؤولية الأمن، بينما تحتفظ سلطة الاحتلال بدور مؤثر في اختيار عناصر القوة.
ولم يبدأ تدريب الشرطة الفلسطينية في مصر بعد، ومن المتوقع أن يستغرق عدة أشهر، كما يُنتظر أن تضم القوة الدولية نحو 5000 عنصر من المغرب وكوسوفو، وربما ألبانيا وكازاخستان، في حين لا يزال الإطار القانوني لانتشارها محل تفاوض مع الاحتلال.
وقال مسؤول مطلع على التخطيط إن الجدول الزمني المتوقع هو أواخر عام 2026، مضيفًا: "قد ننجح في إنجاز هذا الأمر وبدء التشغيل بحلول ديسمبر"، ومن المقرر إعطاء الأولوية لسكان رفح السابقين للإقامة في المخيم، إلا أن هناك معايير اختيار المستفيدين ولكنها لم تُحسم بعد، وفقًا لـ"الغارديان".
وفي الوقت الذي وصف فيه رئيس وزراء الاحتلال السابق إيهود أولمرت المشروع بأنه "معسكر اعتقال" قيد الإنشاء، يؤكد مسؤولو مجلس السلام أن سكان المخيم سيتمتعون بحرية الحركة من وإلى المنطقة.
تمويل من جيوب الفلسطينيين
لا يزال تمويل المشروع يواجه غموضًا، إذ لم يُصرف سوى جزء محدود من أصل 17 مليار دولار خُصصت لخطة ترامب للسلام في غزة.
وأعلنت مجموعة المانحين التابعة للاتحاد الأوروبي والمعنية بفلسطين، يوم الاثنين، جمع 883 مليون يورو لدعم مشاريع المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات، على أن تُكمل هذه المشروعات برامج مجلس السلام.
وفي الوقت نفسه، يجري المجلس مفاوضات لتحويل جزء من عائدات الضرائب الفلسطينية والأصول المصرفية المجمدة التي تحتجزها قوات الاحتلال إلى تمويل للمشروع.
وأثار الاقتراح اعتراض السلطة الفلسطينية، التي تواجه أزمة مالية، إذ قالت وزيرة خارجيتها فارسين أغابيكيان: "هذه الأموال ليست إسرائيلية حتى يتم حجبها أو استخدامها كورقة تفاوض. يجب الإفراج عنها فورًا ودون أي شروط".
وأضافت أغابيكيان أن تقليص الخطة إلى مشروع تجريبي يثير تساؤلات لدى الفلسطينيين، قائلةً: "لا يمكن التعامل مع الكارثة الإنسانية عبر تقسيم الخطوات أو الحلول، وفي الوقت نفسه، فإن أي جهد يمكن أن يسهم في إنقاذ أرواح الفلسطينيين يستحق النظر بجدية، لكن ما يثير قلقنا هو أن تتحول الإجراءات المؤقتة إلى بديل عن حل شامل، أو أن تُستخدم لتكريس واقع غير مقبول".
وبحسب مسؤول مطلع على محادثات قبرص، انقسمت اللجنة الوطنية الاستشارية بشأن دعم مشروع رفح، خشية أن يؤدي إلى انقسامات داخل المجتمع الفلسطيني، وأن يمنح أولوية محدودة لفئة من السكان على حساب غالبية سكان قطاع غزة البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة.














