في عام 2023، وخلال توجه الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد إلى غواتيمالا للمشاركة في مؤتمر عن البيئة، أوقفته قوات الأمن في مطار طهران ومنعته من الحصول على بطاقة الصعود إلى الطائرة. فردّ باعتصام استمر ساعات، التقط خلاله الصور مع المسافرين والموظفين، ونشر تطورات الموقف عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تسمح له السلطات في النهاية بالسفر.
ولاحقًا، كشف تحقيق أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» أن تلك الرحلة شهدت أول اتصال معروف بين أحمدي نجاد وإسرائيليين.
وفي العام التالي، انتقلت الاتصالات إلى بودابست، حيث تلقى رئيس جامعة لودوفيكا البروفيسور جيرجيلي ديلي، طلبًا من مسؤول حكومي مجري رفيع المستوى بعقد مؤتمر عن تغير المناخ وتوجيه الدعوة إلى الرئيس الإيراني الأسبق.
لكن المؤتمر، وفق ما أُبلغ به رئيس الجامعة، لم يكن سوى واجهة لمحادثات سرية بين أحمدي نجاد وعناصر من الاستخبارات الإسرائيلية، وبالفعل وصل أحمدي نجاد إلى المجر، والتقى في بودابست ديفيد برنياع، رئيس الموساد آنذاك.
وبعد اللقاء، أبلغ الموساد وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بأنه أصبح على اتصال بالرئيس الإيراني السابق.
من أكاديمية عسكرية إلى لقاء استخباراتي
لم يكن المكان الذي استضاف أحمدي نجاد في بودابست بعيدًا تمامًا عن تاريخ الدولة والحرب، فخلف واجهة كلاسيكية متناظرة يقف مبنى صممه المعماري المجري ميهاي بولاك قبل نحو قرنين ليكون مقرًا لأكاديمية عسكرية تُعد ضباط الجيش المجري.
ومن قاعاته خرج ضباط خدموا لاحقًا خلال الحرب العالمية الأولى ضمن جيش الإمبراطورية النمساوية المجرية، ثم خلال الحرب العالمية الثانية، حين كانت المجر حليفة لدول المحور، ومع انتهاء الحقبة العسكرية وتعاقب الأنظمة السياسية خضع المجمع للترميم والتحديث، قبل أن يصبح المقر الرئيسي للجامعة الوطنية للخدمة العامة المعروفة اليوم باسم جامعة لودوفيكا.
وفي هذا المكان، عقد لقاء بين رجل ارتبطت سنوات حكمه بتسريع البرنامج النووي الإيراني والخطاب الداعي إلى زوال إسرائيل، ورئيس الجهاز المسؤول عن استخباراتها الخارجية.
من العداء لإسرائيل إلى التقرب
خلال رئاسته لإيران بين عامي 2005 و2013، بنى أحمدي نجاد جانبًا كبيرًا من حضوره السياسي على مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، رفض الاعتراف بإسرائيل، وتحدث عن زوال «النظام الصهيوني»، وأثار إدانات دولية واسعة بإنكاره الهولوكوست.
وفي عهده، أعادت إيران تشغيل برنامج تخصيب اليورانيوم، ما أدى إلى تصاعد التوتر مع واشنطن والمخاوف الإسرائيلية من البرنامج النووي الإيراني، لكن أحمدي نجاد بدأ بعد مغادرته الرئاسة في تقديم نفسه بصورة مختلفة.
خفف لهجته تجاه إسرائيل، وابتعد تدريجيًا عن الخطاب الحاد الذي ميز سنوات حكمه، وانتقد حملات القمع التي تنفذها قوات الأمن، واتهم النخبة الحاكمة بالفساد المالي، كما تحدث في مقابلاته عن قضايا اجتماعية وثقافية، بينها موسيقى البوب في إيران.
وفي مكتبه بطهران، خصص ساعة كل صباح لاستقبال المواطنين والاستماع إلى شكاواهم، وكان يراسل أحيانًا الوزارات للمساعدة في حل مشكلاتهم أو التوصية بمنحهم قروضًا. كما واصل السفر إلى المدن والمناطق الريفية، محافظًا على علاقته بقاعدته الشعبية، خصوصًا بين أبناء الطبقة العاملة.
ورغم تهميشه وتقييد تحركاته، لم تقطعه القيادة الإيرانية تمامًا عن دوائر السلطة، إذ احتفظ بعضويته في مجمع تشخيص مصلحة النظام.
طموح لم ينتهِ
نظر كثيرون داخل إيران إلى تحول أحمدي نجاد باعتباره محاولة لإعادة بناء صورته الشعبية والنأي بنفسه عن الطبقة الحاكمة، لا مراجعة كاملة لمواقفه السابقة.
وقال عبد الرضا داوري، مستشاره السابق، إن أحمدي نجاد لم يكن مدفوعًا بالمال بل بالرغبة في العودة إلى الحكم، وبحسب أحد المقربين من دائرته الضيقة، تحدث الرئيس السابق أمام عدد محدود من الموثوقين عن طموحه في قيادة إيران مستقبلًا بمساعدة قوى أجنبية.
كان يشعر بأن النظام أغلق أمامه طريق العودة بعدما استُبعد من الترشح للرئاسة ثلاث مرات، وخلص إلى أنه لن يتمكن من استعادة السلطة ما دامت الجمهورية الإسلامية قائمة بصورتها الحالية.
كما كان يخشى أن تختار الولايات المتحدة وإسرائيل، في حال سقوط النظام شخصية معارضة من خارج إيران لا تعرف تعقيدات البلاد، بما قد يؤدي إلى زعزعة استقرارها، لذلك قدم نفسه باعتباره رجلًا قادرًا على إدارة مرحلة انتقالية، على غرار الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين.
من الاتصالات السرية إلى التنفيذ
بلغت العملية ذروتها في أواخر فبراير، خلال الأيام الأولى للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عندما انتقلت الخطة - وفق مسؤولين مطلعين - من الاتصالات السرية إلى محاولة التنفيذ.
كان أحمدي نجاد يعيش تحت مراقبة مشددة في طهران، وكان الهدف إخراجه من دائرة رقابة الحرس الثوري، تمهيدًا لبدء مشروع الإطاحة بالنظام وتنصيبه في السلطة.
في 28 فبراير، استهدفت غارة إسرائيلية مجمع أحمدي نجاد، وضربت مبنى حراسه الشخصيين وسيارته المدرعة، وبعد الغارة وصلت سيارة بيجو سوداء إلى المكان وأقلته مسرعة وسط الفوضى وفق أربعة مسؤولين إيرانيين كبار.
وقال مسؤولون أمريكيون وإيرانيون مطلعون على العملية إن عناصر من الموساد كانوا يقودون السيارة، قبل أن ينقلوا أحمدي نجاد إلى منزل آمن سري داخل إيران.
لكن الخطة لم تسر كما كان مرسومًا لها، فقد أبدى الرئيس الإيراني السابق استياءه من طريقة نقله، وبدا محبطًا من المشروع الإسرائيلي لإعادته إلى الحكم ثم غادر المنزل الآمن في ظروف لا تزال غامضة.
واختفى أحمدي نجاد بعد ذلك عن الأنظار، قبل أن يظهر لفترة وجيزة في موكب جنازة المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، وبحسب أربعة مسؤولين إيرانيين كبار، أصبح أحمدي نجاد في عهدة استخبارات الحرس الثوري، ويخضع للإقامة الجبرية بعد انكشاف جانب واسع من اتصالاته مع إسرائيل.












