قالت اثنتان من أقوى الميليشيات العراقية المدعومة من إيران إنهما ستبدآن إجراءات تسليم أسلحتهما إلى السلطات العراقية، في خطوة كبيرة ضمن جهود الحكومة الجديدة لكبح نفوذ الجماعات المسلحة التي عملت لسنوات بصورة مستقلة رغم خضوعها نظريًا لسلطة الدولة.
وكشفت حركة عصائب أهل الحق عن تشكيل لجنة خاصة للإشراف على عملية تسليم السلاح، تتولى حصر المقاتلين والأسلحة والمعدات والتنسيق مع القائد العام للقوات المسلحة العراقية بشأن آليات التنفيذ.
بدورها، أكدت كتائب الإمام علي في بيان مماثل أن الوقت قد حان لبناء دولة قوية تتمتع بسيادة كاملة، مشددة على أن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة فقط، مع دعم مؤسساتها وتعزيز دورها.
استجابة لدعوات حصر السلاح بيد الدولة
وصفت عصائب أهل الحق قرارها بأنه استجابة لدعوات المرجعية الدينية الشيعية العليا في العراق، وكذلك للإطار التنسيقي، أكبر الكتل البرلمانية في البلاد والمهيمن على المشهد السياسي العراقي.
ويأتي هذا التطور بعد أيام من إعلان رجل الدين الشيعي البارز مقتدى الصدر فصل ميليشيا "سرايا السلام" التابعة له عن الحركة السياسية التي يقودها، والعمل على دمجها ضمن مؤسسات الدولة.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوات تعكس تحولًا في النقاش الدائر داخل العراق بشأن مستقبل الفصائل المسلحة ودورها، في ظل تزايد الدعوات إلى حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز سيطرة المؤسسات الرسمية على الملف الأمني.
ضغوط داخلية وخارجية متزايدة
جاءت هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة، إذ كشفت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في فبراير الماضي حجم التحديات التي تواجهها الدولة العراقية في فرض سلطتها على الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران.
وأظهرت هذه التطورات، بحسب التقرير، محدودية قدرة مؤسسات الدولة العراقية على كبح الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، رغم ارتباط بعضها رسميًا بالأجهزة الأمنية.
كما شهدت الأشهر الماضية تصاعدًا في التوتر بين الولايات المتحدة وهذه الفصائل، بعد سلسلة من الهجمات التي استهدفت مصالح وأصولًا أمريكية داخل العراق، قبل التوصل إلى اتفاق هش لوقف إطلاق النار في أبريل الماضي.
ومنذ توليه رئاسة الوزراء الشهر الماضي، جعل علي الزايدي، البالغ من العمر 40 عامًا والذي عمل سابقًا في القطاع المصرفي، مسألة احتكار الدولة للسلاح أحد أبرز محاور برنامجه الحكومي.
وتتعرض الحكومة العراقية أيضًا لضغوط أمريكية متواصلة في هذا الملف، إذ حذرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أي نفوذ للفصائل المرتبطة بإيران داخل مؤسسات الدولة، وربطت جوانب من التعاون الدفاعي والتمويل الأمريكي بمدى نجاح بغداد في الحد من نفوذ الجماعات المسلحة.
ورغم أن العديد من الفصائل المدعومة من إيران تتلقى تمويلًا من الموازنة العراقية وتتمتع بحضور داخل المنظومة الأمنية، فإنها لا تخضع بصورة كاملة لسيطرة الحكومة، وهو ما كان محل انتقادات متكررة من الولايات المتحدة ودول أخرى.
فصائل ترفض التخلي عن السلاح
في المقابل، لم تحظَ جهود حصر السلاح بإجماع جميع الفصائل المسلحة، إذ أعلنت بعض الجماعات الرئيسية المرتبطة بالإطار التنسيقي رفضها التخلي عن أسلحتها.
ومن بين هذه الفصائل كتائب حزب الله العراقية وحركة النجباء، اللتان ربطتا قضية السلاح بمفهوم السيادة العراقية واستمرار وجود قوات أجنبية على الأراضي العراقية، ورحبت كتائب حزب الله بقرارات الفصائل الأخرى وضع أسلحتها تحت سلطة الدولة، لكنها أكدت أن موقفها مختلف.
وأوضحت الجماعة أنها ستواصل ما تصفه بـ"عمل المقاومة"، مشيرة إلى أنها تفضل التنسيق مع هيئة الحشد الشعبي بدلًا من تسليم أسلحتها.
وتعود جذور هيئة الحشد الشعبي إلى عام 2014، عندما تشكلت لمواجهة تنظيم داعش بعد سيطرته على مساحات واسعة من الأراضي العراقية. ورغم ارتباطها رسميًا بالدولة، لا تزال العديد من الفصائل المنضوية تحت مظلتها تحتفظ بهياكلها القيادية الخاصة وعلاقاتها الوثيقة بإيران.
ويرى مراقبون أن إعلان عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي يمثل اختبارًا مهمًا لقدرة الحكومة العراقية على المضي قدمًا في مشروع حصر السلاح بيد الدولة، وسط انقسام واضح بين الفصائل المسلحة بشأن مستقبل هذا الملف الحساس.












