في الوقت الذي يبدو مستقبل وقف الحرب الإيرانية ضبابيًا بعض الشيء، تشير بعض التحليلات إلى أن التحرك الأمريكي تجاه طهران - والذي وُصف بأنه “رحلة قصيرة” في سياق حرب محدودة - قد يترك أثرًا عالميًا أعمق بكثير من حروب طويلة مثل فيتنام.
ففي حين أن العملية العسكرية الأمريكية الأخيرة أقصر وأقل كلفة من حيث الزمن والخسائر، إلا أنها كشفت بسرعة عن حدود القوة العسكرية الأمريكية في عالم شديد الترابط والتشابك، بحسب تحليل نشرته صحيفة "الغارديان".
إرث فيتنام ومبدأ الحروب الأمريكية
في عام 1965، برّر الرئيس ليندون جونسون التدخل الأمريكي في فيتنام عبر خطاب أكد فيه أن الهدف هو حماية حق الشعوب في تقرير مصيرها، معتبرًا أن أمن الولايات المتحدة مرتبط بعالم يقوم على هذا المبدأ. لكنه أضاف أيضًا أن “هناك نقاط ضعف بشرية تجعل القوة تتقدم أحيانًا على العقل، وأن عبث الحرب هو الثمرة المرّة للسلام”.
هذا النوع من الخطاب الأخلاقي لم يكن استثناءً، بل أصبح نمطًا متكررًا في مرافعات الإدارات الأمريكية خلال فترات الحرب، حيث تمتزج المثالية السياسية بالضرورة العسكرية.
وعلى مدى عقود، دفعت الثقة الأمريكية بالتفوق العسكري، إلى جانب الإيمان بالنوايا “النبيلة”، العديد من الرؤساء إلى الدخول في حروب طويلة. لكن النتيجة كانت في كثير من الأحيان مأزقًا استراتيجيًا: خصوم أقل قوة مما ظنّته واشنطن، لكنهم أكثر قدرة على الاستنزاف والمراوغة، ما أدى إلى حروب بلا حسم واضح وانكشاف حدود القوة الأمريكية.
وكان يُعتقد أن دونالد ترامب قد يشكل خروجًا عن هذا المسار، خاصة أنه تبنّى خطابًا معارضًا للحروب الطويلة، وركّز على فكرة أن التدخلات العسكرية يجب أن تكون محدودة ومرتبطة بنتائج واضحة. كما أنه لم يُعرف عنه تبني الرؤية التقليدية التي تربط القوة العسكرية بالانتصار السياسي.
لكن “الرحلة القصيرة” نحو إيران، استنادًا إلى مسودات اتفاقيات سلام غير مكتملة، اعتُبرت على نطاق واسع فشلًا استراتيجيًا. فبغض النظر عن النتيجة النهائية، التي يُرجح أن تعيد الأمور إلى نقطة البداية، فإن الحرب بدت مرتبكة في أهدافها، ضعيفة في تخطيطها، ومبنية على افتراضات غير دقيقة.
إيران ليست فيتنام
من حيث الحجم، لا يمكن مقارنة الصراع الحالي بحرب فيتنام التي استمرت سنوات طويلة وأدت إلى مقتل 58,220 جنديًا أمريكيًا. لكن من حيث التداعيات السياسية والاستراتيجية، قد تحمل “الرحلة الإيرانية” آثارًا أعمق على المدى البعيد.
ففي عالم مترابط، لم تعد قوة الدولة تقاس بطول الحرب أو عدد الضحايا فقط، بل بقدرتها على إدارة النتائج السياسية والاقتصادية والدبلوماسية للصراع. والأخطر في التجربة الحالية ليس المعركة نفسها، بل ما تكشفه من غياب استراتيجية أمريكية متماسكة تتناسب مع طبيعة النظام العالمي الحديث. إذ تقوم مقاربة ترامب، بحسب هذا التحليل، على فكرة أن الصراع هو محرك التقدم، وليس التعاون أو التوازن. وهنا يظهر التناقض بين عالم معقد ومتشابك، وبين رؤية سياسية تعتمد على أدوات تقليدية في إدارة النفوذ.
ويرى فريدريك لوغيفال، أستاذ التاريخ في جامعة هارفارد والحاصل على جائزة بوليتزر، أن كثيرًا من أزمات المجتمع الأمريكي اليوم—مثل الاستقطاب، وانعدام الثقة بالحكومة، وتراجع الخطاب المدني—تعود جذورها إلى حقبة فيتنام. ويضيف أن التحول من السذاجة السياسية إلى السخرية العميقة خلق مجتمعًا فقد قدرته على الإيمان بالإصلاح أو الدفع نحوه، وهو ما مهّد لبيئة سياسية منقسمة سمحت بصعود شخصيات مثل ترامب.
وداخليًا، لا يُتوقع أن تُحدث حرب إيران آثارًا بحجم حرب فيتنام. فحتى في أكثر السيناريوهات تشاؤمًا، تبقى الخسائر محدودة نسبيًا، مع تأثير محتمل يتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم، وهو ما قد ينعكس سياسيًا في الانتخابات. لكن خارجيًا، يبدو التأثير أكثر اتساعًا، مع احتمالات لإعادة تشكيل موازين القوى في أكثر من منطقة.
فشل استراتيجي في إيران
تمثل الحرب، وفق هذا الطرح، تراجعًا في فعالية الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه إيران، والتي استمرت لعقدين بهدف تغيير النظام. كما أنها تسرّع من تراجع النفوذ الإسرائيلي في واشنطن. وقد وصف داني سيترينوفيتش، الرئيس السابق لفرع إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، الوضع بأنه “نجاح عملياتي لكنه فشل استراتيجي”.
وتدفع التطورات دول الخليج إلى إعادة تقييم عميق لعلاقاتها الأمنية، خصوصًا فيما يتعلق بجدوى الاعتماد على القواعد الأمريكية. وفي المقابل، تبدو توقعات واشنطن بشأن تطبيع واسع جديد مع إسرائيل غير واقعية. وترى باربرا ليف، مسؤولة سابقة في الخارجية الأمريكية، أن دول الخليج تميل إلى خيار “السلام غير الكامل” لغياب البدائل.
وأثبتت الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة أنها عنصر حاسم في الحروب الحديثة، وهو ما فهمته إيران جيدًا من تجربة أوكرانيا. وفي المقابل، لم تحقق الضربات الأمريكية الضخمة نتائج حاسمة رغم استهداف 13 ألف هدف خلال شهر واحد، بل أدت إلى استنزاف المخزون العسكري والمالي.
وقد تمتد تداعيات الحرب إلى أوروبا، حيث يمكن أن تؤدي الضغوط الاقتصادية وتراجع النمو إلى خسائر انتخابية لقادة الوسط في فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، بما قد يهدد استقرار الاتحاد الأوروبي. كما أن أي تقليص للوجود الأمريكي داخل الناتو سيزيد من هشاشة الوضع السياسي الأوروبي.
خلل في صنع القرار الأمريكي
يرى مجلس العلاقات الخارجية أن ما حدث في إيران يعكس خللًا أعمق في آلية صنع القرار الأمريكي. وقد حذرت رئيسة المجلس ريبيكا ليسنر من أن الحرب تمثل “ضربة خطيرة للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة”.
أما ميرا راب-هوبر، فوصفت الوضع خلال ندوة في تشاتام هاوس بأنه “انتحار لقوة عظمى”.رغم ضعفها الاقتصادي، خرجت إيران من الحرب بمزيج من التعقيد الاستراتيجي. فبحسب علي واعظ، من مجموعة الأزمات الدولية، حققت طهران ثلاث مكاسب: تعزيزًا أيديولوجيًا داخليًا، تقويضًا لفكرة التدخل الخارجي، وإعادة بناء استراتيجية الردع. كما أن اعتمادها على الجغرافيا، خصوصًا في مضيق هرمز، منحها ورقة ضغط يصعب تعويضها.
وتشبه بعض سياسات الردع التي استخدمت خلال الحرب ما عُرف في عهد نيكسون بـ“نظرية الرجل المجنون”، حيث يُستخدم التهديد المفرط لإجبار الخصم على التراجع. وقد أشار إتش آر هالديمان، في مذكراته إلى أن هذه الاستراتيجية كانت قائمة على إيهام الخصم بأن الرئيس قد يتخذ قرارات غير متوقعة حتى على حافة السلاح النووي.
وفي المحصلة، لا تبدو الحرب—حتى لو لم تُلحق ضررًا مباشرًا كبيرًا بالولايات المتحدة داخليًا—حدثًا عابرًا. بل قد تكون مؤشرًا على انتقال تدريجي في موازين القوة العالمية، حيث تتراجع القدرة الأمريكية على فرض نتائج حاسمة، لصالح تحالفات إقليمية أكثر قدرة على التحكم بمسارات الصراع.













