يؤكد الباحث الأمني والعسكري خليل الحلو أن الدور الذي لعبته فرنسا خلال العقود الثلاثة الماضية في ملفات المنطقة بدأ يتلاشى تدريجيًا، مشيرًا أن التفاهمات الكبرى التي شهدتها سنوات 1996 و2006 كانت تتم برعاية فرنسية أمريكية مشتركة، بينما تقتصر الوساطة اليوم بين لبنان والاحتلال على الجانب الأمريكي وحده، وهو الطرف الذي يمتلك أوراق الضغط الحقيقية لإجبار إسرائيل على التفاوض.
ويضيف الحلو في قراءته للمشهد، في مقابلة عبر الفيديو مع برنامج "هنا الرياض" على قناة "الإخبارية" أن محاولات فرنسا الأخيرة، والتي تمثلت في زيارة وزير خارجيتها لبيروت وتل أبيب، لم تكلل بالنجاح لافتقار باريس إلى أدوات فعالة للتأثير، موضحًا أن الدعم العسكري للجيش اللبناني بات يعتمد بصفة أساسية على واشنطن التي قدمت مساعدات سنوية تتراوح بين 100 و600 مليون دولار على مدار 19 عامًا، وهي أرقام تتجاوز بكثير ما قدمته فرنسا رغم علاقتها التاريخية الوثيقة بلبنان.
الباحث الأمني والعسكري خليل الحلو لـ "هنا الرياض":
فرنسا لم تعد تمتلك أوراق ضغط فاعلة على أطراف الأزمة اللبنانية - الإسرائيلية كما في السابق، بينما تمسك الولايات المتحدة اليوم بمعظم أوراق التأثير pic.twitter.com/0Ve0QiaanT
— هنا الرياض (@AlriyadhHere) April 15, 2026
تحفظات إسرائيلية على تدخل فرنسا في مفاوضات السلام
تعزز التصريحات الدبلوماسية الأخيرة هذا التوجه، حيث أعرب سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، يحيئيل لايتر، بوضوح عن رغبة بلاده في إبعاد فرنسا عن كافة مساعي السلام الجارية، مؤكدًا في مؤتمر صحفي أن "الفرنسيين ليسوا ضروريين" في هذه المرحلة، بل واعتبر أن وجودهم لا يحمل أي تأثير إيجابي خاصة في الملف اللبناني، مما يعكس هوة واسعة بين باريس وتل أبيب.
ويرى مراقبون أن هذا الموقف المتشدد تجاه فرنسا ينبع من تباين الرؤى السياسية، خاصة بعد مطالبة باريس بإدراج لبنان ضمن اتفاقيات وقف إطلاق النار المبرمة مع إيران، وهو ما أثار حفيظة المسؤولين الإسرائيليين، فضلاً عن تدهور العلاقات الشخصية بين الرئيس إيمانويل ماكرون وبنيامين نتنياهو عقب اعتراف فرنسا بدولة فلسطين في سبتمبر الماضي وتنديدها بالضربات العسكرية الأخيرة.
ورغم أن فرنسا كانت جزءًا من مجموعة الـ 17 دولة التي دعت لاغتنام فرصة السلام، إلا أن كواليس اجتماعات واشنطن "التاريخية" التي جمعت مسؤولين أمريكيين ولبنانيين وإسرائيليين أظهرت انسجامًا بعيدًا عن أروقة قصر الإليزيه، حيث ركزت المحادثات على رؤية طويلة الأمد لمستقبل الحدود ونزع سلاح حزب الله، وهو المسار الذي تفضل إسرائيل أن يظل تحت إشراف أمريكي حصري لضمان تحقيق أهدافها الأمنية.
وتشير التقارير أن تهميش فرنسا في المفاوضات الحالية يمثل خسارة لنفوذها التقليدي في مستعمرتها السابقة، حيث لم تعد الروابط الثقافية والتاريخية كافية لمواجهة القوة العسكرية والمالية التي تفرضها واشنطن على الطاولة، مما يجعل دور فرنسا المستقبلي ينحصر ربما في تقديم مساعدات لوجستية محدودة للجيش اللبناني، بعيدًا عن صناعة القرارات السياسية الكبرى التي ترسم ملامح المنطقة.












