في مفارقة تعكس هشاشة الإمبراطوريات الإجرامية المعقدة، لم يسقط نيميسيو أوسيجيرا سرفانتس، المعروف بـ«إل مينتشو» وأخطر زعماء الكارتلات في المكسيك، إثر اختراق تكنولوجي معقد أو خيانة من دائرته المسلحة، بل عبر زلة شخصية قادت القوات العسكرية إلى معقله.
فالزيارة التي أجرتها إحدى شريكاته العاطفيات كانت الخيط الذي تتبعته الاستخبارات، لتنهي حياة العقل المدبر لـ«كارتل خاليسكو الجيل الجديد»، وتفتح الباب أمام موجة عنف انتقامية شلت نصف البلاد وأعادت رسم الحسابات الجيوسياسية على الحدود المكسيكية الأمريكية.
سقوط في الغابة
بدأت العملية أمس الأحد، عندما استثمرت السلطات المكسيكية معلومات مستقاة من مقربة لإحدى الشريكات العاطفيات لـ«إل مينتشو»، لتخطط بشكل سريع لمداهمة مجمعه السكني في منطقة تابالبا بولاية خاليسكو بغرب البلاد، ومع اقتراب القوات الخاصة المكسيكية، فتح مسلحو الكارتل النار، لينتقل الاشتباك إلى مجمع أكواخ في منطقة مشجرة.
هناك، أصيب أوسيجيرا واثنان من حراسه الشخصيين بجروح خطيرة، وجرى نقل الثلاثة عبر مروحية عسكرية لتلقي العلاج في العاصمة مكسيكو سيتي، لكن وزير الدفاع، ريكاردو تريفيلا، أعلن لاحقًا وفاتهم، قائلًا: «للأسف، توفوا في الطريق». وفي الموقع، عثرت القوات على ترسانة شملت بنادق مزودة بقاذفات قنابل، وقاذفات صواريخ، وقذائف هاون. ولم توضح السلطات تفاصيل دقيقة حول طبيعة الإصابات المباشرة التي أودت بحياة المطلوب الذي رصدت الولايات المتحدة 15 مليون دولار للإيقاع به.
بالتوازي مع ذلك، وفي موقع آخر داخل الولاية ذاتها، قتلت القوات العسكرية القائد المالي والرجل الثاني في الكارتل المعروف بـ«إل تولي»، في أثناء محاولته مقاومة الاعتقال، وهو الذي عرض مكافأة قدرها 20 ألف بيزو (نحو 1160 دولارًا) مقابل كل جندي يُقتل.
نيران الانتقام وشلل المدن
بمجرد انتشار خبر مقتل الزعيم، الذي تصنف إدارته كأسرع الشبكات الإجرامية نموًا منذ تأسيسها عام 2009، اشتعلت نيران الانتقام في 14 ولاية مكسيكية، ونفذ الموالون للكارتل هجمات منسقة شملت حرق السيارات وإقامة ما لا يقل عن 85 حاجزًا على الطرق في 20 ولاية.
وأسفرت محاولة الاعتقال وتداعياتها العنيفة عن مقتل 73 شخصًا على الأقل. ووفقًا لوزير الأمن، عمر جارسيا هارفوش، تضمنت حصيلة القتلى 25 عنصرًا من الحرس الوطني سقطوا في ست هجمات منفصلة، إلى جانب حارس سجن، وعميل من مكتب المدعي العام للولاية، وأحد المارة. كما قُتل 30 مشتبهًا بانتمائهم للكارتل في خاليسكو، وأربعة آخرون في ولاية ميتشواكان المجاورة. وردًا على ذلك، اعتقلت السلطات 70 شخصًا في سبع ولايات، في حين أعلنت الحكومة عدم تسجيل أي إصابات بين الأجانب.
حصار المدنيين
وقد ألقى العنف بظلاله الثقيلة على الحياة اليومية، ففي جوادالاخارا، ثاني كبرى مدن المكسيك وعاصمة ولاية خاليسكو، استيقظ السكان يوم الاثنين على مشاهد السيارات المتفحمة والمتاجر المخربة.
كذلك ألغت عدة ولايات الفصول الدراسية، وأصدرت السفارة الأمريكية تحذيرات لموظفيها في ثماني مدن بالبقاء في منازلهم والعمل عن بُعد.
داخل حديقة حيوان جوادالاخارا، احتُجز أكثر من 1000 شخص طوال ليل الأحد، حيث ناموا داخل الحافلات هربًا من رصاص الشوارع. وصرح مدير الحديقة، لويس سوتو ريندون: «قررنا السماح للناس بالبقاء داخل الحديقة من أجل سلامتهم، فهناك أطفال صغار وكبار في السن»، مشيرًا إلى استحالة عودة العائلات إلى ولاياتهم المجاورة. وفي صباح اليوم التالي، شوهدت الأمهات يحملن أطفالهن لقضاء حوائجهم وسط حراسة أمنية.
وفي مشهد آخر، اصطف المواطنون، ومنهم المعالج خوسيه لويس راميريز (54 عامًا)، أمام إحدى الصيدليات القليلة المفتوحة، لشراء الأدوية والمياه وحليب الأطفال عبر باب مقفل بسلاسل. ورغم الخوف، قال راميريز: «يجب ألا نفكر بخوف، بل أن نكون هادئين، كما يقولون، ونتعامل مع الأمور كما تأتي». بينما روت إيرما هيرنانديز (43 عامًا)، حارسة أمن فندق، كيف اضطرت للذهاب لعملها عبر سيارة خاصة وفرتها الإدارة لتوقف وسائل النقل العام، معبرة عن قلقها من كيفية العودة لمنزلها وسط هذا الانفلات.
على الصعيد الاقتصادي، أدت الاضطرابات إلى إلغاء رحلات جوية، وتراجعت أسهم شركة الطيران المكسيكية «فولاريس» ومشغلي المطارات (GAP وASUR) بأكثر من 4%. وحذرت كيمبرلي سبيرفيتشتر، خبيرة الأسواق الناشئة في «كابيتال إيكونوميكس»، من أن التداعيات المباشرة ستضرب السياحة، وإذا استمرت، فقد تهدد صناعة الإلكترونيات وأشباه الموصلات، فضلًا عن الصادرات الزراعية كالأفوكادو والتيكيلا التي تشتهر بها خاليسكو. في المقابل، طمأنت شركة النفط الحكومية «بيميكس» بأن إمدادات الوقود مضمونة على مستوى البلاد.
توازنات الحدود ومخاوف الفراغ
لم يكن مقتل «إل مينتشو» حدثًا محليًا فحسب، بل حمل أبعادًا جيوسياسية عميقة، فقد أكد البيت الأبيض تقديم استخبارات أمريكية ساعدت في تحديد موقع تابالبا. ومع ذلك، شددت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم على سيادة قرار بلادها، قائلة: «لم تكن هناك أي مشاركة للقوات الأمريكية في هذه العملية. ما حدث كان مجرد تبادل للمعلومات»، مؤكدة أن حكومتها تعمل على تطبيع الأوضاع وإزالة الحواجز.
وجاء هذا الإنجاز الأمني ليمثل ورقة رابحة للمكسيك لتخفيف ضغوط الإدارة الأمريكية قبل مراجعة اتفاقية التجارة الحرة (USMCA) هذا العام. وقد أشاد السفير الأمريكي، رون جونسون، بنجاح القوات المكسيكية، معتبرًا أن التعاون الثنائي «وصل إلى مستويات غير مسبوقة». ومع ذلك، سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي صنفت إدارته الكارتل كمنظمة إرهابية أجنبية في فبراير 2025، إلى مطالبة المكسيك بالمزيد، كاتبًا على منصات التواصل: «يجب على المكسيك تكثيف جهودها بشأن الكارتلات والمخدرات».
في المقابل، تستمر المكسيك في تذكير جارتها الشمالية بمسؤوليتها، إذ تشير البيانات الحكومية الأمريكية إلى أن نحو 70% من الأسلحة غير المشروعة في المكسيك، التي تدعم ترسانات الكارتلات، مصدرها الولايات المتحدة، ما يسهم في أزمة أمنية خلفت أكثر من 130 ألف مفقود.
ومع غياب زعيم الكارتل الرائد في تهريب الفنتانيل واستخدام الطائرات المسيرة المفخخة، تبرز تحذيرات من مرحلة أكثر دموية، ويرى ديفيد مورا، المحلل في «مجموعة الأزمات الدولية»، أن العملية تشير إلى نهج هجومي متصاعد للجيش في عهد شينباوم لتوجيه رسالة استغناء عن القوات الأمريكية على الأرض، لكنه يحذر من الفراغ القيادي: «قد تكون هذه اللحظة التي ترى فيها المجموعات الأخرى أن الكارتل ضعيف، وترغب في اغتنام الفرصة لتوسيع سيطرتها».
وإذ ينتهي هذا الفصل بمقتل المطلوب الأول، فإن الدماء التي أُريقت في الشوارع، ودموع وزير الدفاع وهو يعزي أسر الجنود، تؤكد أن تفكيك شبكات الجريمة المنظمة يحتاج إلى ما هو أبعد من مجرد اقتفاء أثر رحلة عاطفية، إنه يتطلب معالجة شاملة لجذور العنف وتجارة السلاح العابرة للحدود.













