يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب اختبارًا سياسيًا وأمنيًا بالغ الحساسية في تعاطيه مع الملف الإيراني، في وقت تتداخل فيه حسابات القوة العسكرية مع ضغوط داخلية متزايدة ومشهد انتخابي غير مضمون. فالتصعيد مع طهران لا يَعِد بنتائج سريعة، بينما يهدد أي خطأ في التقدير بفتح جبهة صراع جديدة قد تكون كلفتها أعلى مما يحتمله الداخل الأميركي المنهك اقتصاديًا وسياسيًا.
وقد يضع اندلاع حرب مع إيران في المرحلة الحالية، الإدارة الأميركية أمام اختبار قاسٍ، خصوصًا أن قطاعات واسعة من الأميركيين تُظهر مؤشرات إرهاق متزايد من السياسات التصعيدية. وتكشف استطلاعات الرأي عن قلق متصاعد لدى الناخبين بشأن الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والسكن.
ورغم هذه الأولويات الداخلية، اتجهت تحركات ترامب منذ مطلع العام نحو ملفات خارجية وأمنية، شملت الإطاحة بالزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، وإطلاق عمليات ترحيل موسعة داخل الولايات المتحدة رافقتها حوادث دامية، إضافة إلى تجديد التشكيك في نزاهة النظام الانتخابي الأميركي. وفي الوقت ذاته، عزز ترامب اعتماده على القوة العسكرية، إذ نفذت الولايات المتحدة ضربات في عدة دول، من بينها إيران والعراق واليمن وسوريا ونيجيريا وفنزويلا، إلى جانب عمليات استهدفت قوارب يُشتبه في تورطها بتهريب المخدرات في المحيط الهادئ والبحر الكاريبي، وذلك خلال عامه الأول بعد عودته إلى البيت الأبيض.
ويمنح هذا السجل العسكري تهديدات واشنطن الأخيرة لطهران وزنًا إضافيًا، لا سيما في ظل اتهام إيران بقمع الاحتجاجات الداخلية والسعي لإعادة بناء برنامجها النووي، بالتزامن مع انطلاق جولة مفاوضات جديدة بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين في سلطنة عُمان.
لكن تراجع شعبية ترامب إلى ما دون 40%، واقتراب انتخابات التجديد النصفي التي تبدو غير مواتية للجمهوريين، يفرضان على الرئيس موازنة حساباته العسكرية مع وضعه السياسي الداخلي المتأزم. ورغم قناعته بأن أسلوبه المتقلب يمنحه مساحة أوسع للمناورة، فإن تصاعد التوتر مع إيران يجعل تحقيق نصر واضح وسريع أمرًا بالغ الصعوبة.
ويؤمن ترامب بأن القيادة الإيرانية تسعى إلى تجنب مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، ويستند في ذلك إلى حشد عسكري أميركي واسع في المنطقة، وإلى توفر خيارات هجومية قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بإيران. وقد عزز هذا الانتشار العسكري نهجًا دبلوماسيًا قائمًا على الضغط الشديد. غير أن الرهان على تراجع مفاجئ من جانب ترامب قد لا يكون واقعيًا هذه المرة. فقد رسمت سياسته الخارجية خطوطًا حمراء واضحة، بدءًا من اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في العراق خلال ولايته الأولى، وصولًا إلى إرسال قاذفات شبحية في ولايته الثانية لتنفيذ ضربات استهدفت منشآت نووية إيرانية.
كما تدخل ترامب في الشأن الداخلي الإيراني بشكل غير مسبوق، موجهًا تحذيرات مباشرة للنظام الحاكم عقب حملة قمع واسعة قُتل خلالها آلاف المتظاهرين، بحسب تقديرات غير رسمية. وبذلك، باتت المواجهة مع طهران اختبارًا شخصيًا وسياسيًا ذا أبعاد دولية للرئيس الأميركي.
عوامل تضع إيران في موقع هش
تشير معطيات عدة إلى أن إيران تمر بمرحلة ضعف غير مسبوقة منذ بداية عدائها مع الولايات المتحدة قبل 45 عامًا. فمستقبل النظام يكتنفه الغموض في ظل أزمة خلافة محتملة للمرشد الأعلى علي خامنئي، الذي يتقدم في السن، ما يهدد استقرار البنية السياسية القائمة.
إلى جانب ذلك، تواجه طهران أزمة شرعية داخلية حادة، مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية نتيجة التدهور الاقتصادي ونقص الموارد الأساسية، وسط شعور واسع بالإحباط واليأس. كما تعرضت الشبكة الإقليمية التي اعتمدت عليها إيران طويلًا لردع خصومها، وعلى رأسها حماس وحزب الله، لضربات قاسية في صراعاتها الأخيرة مع إسرائيل.
وتوفر هذه العوامل مجتمعة، مبررات لدى بعض صناع القرار في واشنطن لاعتبار اللحظة الحالية مناسبة لتوجيه ضربة حاسمة لإيران، بهدف إنهاء نفوذ نظام طالما شكّل تحديًا للمصالح الأميركية، وهدد حلفاءها، وكان مسؤولًا عن سقوط أميركيين في هجمات مباشرة أو عبر ميليشيات خلال حرب العراق. غير أن هذه الفرصة قد تكون قصيرة الأمد. وفي حال لم يتحرك ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الآن، فقد تضيع إمكانية استثمار هذا الضعف في السنوات المقبلة. وقد يمنح تحقيق إنجاز من هذا النوع ترامب مكانة تاريخية استثنائية، وهو أمر ينسجم مع تركيزه الشديد على الإرث السياسي.
مخاطر التصعيد العسكري
رغم ذلك، يبقى الخيار العسكري محفوفًا بمخاطر كبيرة. إذ غن أي محاولة جدية لإسقاط النظام الإيراني أو تحييد الحرس الثوري وقوات الباسيج ستتطلب حملة جوية معقدة تمتد لأيام، وربما أكثر. كما أن استهداف أجهزة القمع قد يؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، نظرًا لتمركز هذه القوى داخل المدن. وفي غياب غزو بري شامل، يظل التساؤل قائمًا حول جدوى هذه الضربات في وقف العنف الداخلي أو إحداث تغيير سياسي حقيقي.
ورغم أن إيران أكثر تجانسًا من العراق الذي شهد فوضى بعد الغزو الأميركي عام 2003، فإن سيناريو انهيار السلطة يظل محفوفًا بالمجهول، خصوصًا في ظل غياب مسار واضح نحو انتقال ديمقراطي. وقد لا تكون الضربة السريعة التي يفضلها ترامب كافية لإسقاط النظام، بينما قد يؤدي تدخل طويل الأمد إلى استنزاف الثقة الشعبية بالإدارة الأميركية.
من ناحية أخرى، فإن أي حرب تتدهور نتائجها قد تلحق أضرارًا جسيمة بالجمهوريين في انتخابات نوفمبر، وتنسف ما تبقى من زخم الولاية الثانية لترامب. كما أن حلفاء واشنطن في الخليج أبدوا مخاوف متزايدة من تداعيات أي هجوم على إيران، بما في ذلك ردود صاروخية محتملة واستهداف منشآت نفطية، وهو ما قد يزعزع استقرار منطقة تشهد تحولات اقتصادية وسياحية متسارعة.
مأزق الدبلوماسية
في المقابل، لا يبدو المسار الدبلوماسي أقل تعقيدًا. فالتراجع عن التصعيد بعد أسابيع من التهديدات قد يضعف مصداقية واشنطن دوليًا، خاصة بعد الضربات التي نفذتها العام الماضي. كما أن تشجيع الاحتجاجات داخل إيران دون متابعة قد يمنح النظام ذريعة لمزيد من القمع. وتُبقي الإدارة الأميركية جميع الخيارات مفتوحة، لكنها تدرك صعوبة التوصل إلى اتفاق شامل. فقد حدد وزير الخارجية ماركو روبيو أهداف بلاده بالتركيز على البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، ودعم الجماعات المسلحة، وسجل حقوق الإنسان.
في المقابل، تشير تقارير إلى أن طهران لا ترغب سوى في مناقشة ملفها النووي، وتسعى في أي اتفاق محتمل إلى تخفيف العقوبات، وهو ما يضع فريق ترامب أمام معضلة القبول باتفاق شبيه بالاتفاق الذي انتقده الجمهوريون بشدة في عهد باراك أوباما.
ويتمثل أحد السيناريوهات المطروحة في إبرام تفاهم محدود وتسويقه كإنجاز سياسي، وهو خيار قد يلقى قبولًا داخليًا، لكنه قد يُفسر خارجيًا على أنه تراجع. وفي هذه الأثناء، قد تراهن إيران على كسب الوقت بانتظار إدارة أميركية جديدة، بينما يبقى الشعب الإيراني عالقًا تحت سيطرة النظام الحالي، مع تلاشي آمال التغيير التي أُطلقت وعود بشأنها قبل أسابيع فقط.
اقرأ أيضًا:
مباحثات واشنطن وطهران في عُمان.. تفاصيل الجولة الأولى














