في مطلع هذا الشهر، وجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسالة لافتة إلى الإيرانيين المشاركين في الاحتجاجات ضد النظام، قال فيها إن “الدعم قادم”، في إشارة أثارت تساؤلات واسعة حول ما قد تحمله المرحلة المقبلة. ومنذ ذلك الوقت، بدأت مؤشرات التحرك العسكري الأمريكي في الظهور بشكل تدريجي لكنه متواصل، مع تسجيل زيادة ملحوظة في حجم وانتشار القوات الأمريكية في الشرق الأوسط.
وسبق أن أثبتت الولايات المتحدة، التي تمتلك أكبر قوة عسكرية في العالم، قدرتها على استهداف إيران مباشرة. ففي يونيو من العام الماضي، نفذت واشنطن عملية عسكرية أطلقت عليها اسم “مطرقة منتصف الليل”، استهدفت خلالها منشآت نووية إيرانية. وشاركت في تلك العملية أكثر من 100 طائرة عسكرية، بينها قاذفات الشبح من طراز B‑2، التي انطلقت من الأراضي الأمريكية وأسقطت قنابل موجهة فائقة الدقة قادرة على اختراق التحصينات، دون تسجيل أي خسائر بشرية أو مادية في صفوف القوات الأمريكية.
ولكن هل تستعد واشنطن لتكرار السيناريو؟
أعاد منشور حديث لترامب على وسائل التواصل الاجتماعي تغذية هذه المخاوف، إذ وجّه تحذيرًا صريحًا لإيران، أكد فيه أن عدم التوصل إلى اتفاق يقيد برنامجها النووي سيجعل “الهجوم القادم أسوأ بكثير”. وقال الرئيس الأمريكي إن “أسطولًا ضخمًا” يتحرك باتجاه إيران، معتبرًا أنه، كما حدث في فنزويلا عند اعتقال نيكولاس مادورو، فإن هذا الأسطول “جاهز ومستعد وقادر على تنفيذ مهمته بسرعة، وبقوة وعنف إذا تطلب الأمر”. وفي الوقت نفسه، دعا ترامب طهران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، لكنه شدد على أن الوقت المتاح أمامها “ينفد”.
وعلى الأرض، تملك الولايات المتحدة بالفعل حضورًا عسكريًا واسعًا في الشرق الأوسط، إذ يُقدّر عدد قواتها المنتشرة في المنطقة بنحو 50 ألف جندي. ويتمركز قرابة 10 آلاف منهم في قاعدة العديد الجوية في قطر، إضافة إلى وجود قواعد أمريكية أخرى في عدة دول خليجية مثل الأردن والإمارات وسلطنة عُمان والبحرين. وخلال الأسابيع الأخيرة، كشفت تقارير استخباراتية مفتوحة المصدر عن وصول أعداد كبيرة من الطائرات العسكرية الأمريكية الإضافية إلى المنطقة. وأظهرت صور التُقطت لقاعدة العديد، وهي أكبر منشأة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، تشييد مبانٍ جديدة على أطراف القاعدة.
ورغم أن وزارة الدفاع الأمريكية لا تنشر تفاصيل دقيقة حول هذه التحركات، فإن خدمة التحقق التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC Verify) تمكنت من تتبع وصول طائرات مقاتلة من طراز F‑15، وطائرات تزويد بالوقود، وطائرات نقل عسكرية. كما رصدت الخدمة عشرات طائرات الشحن وطائرات التزود بالوقود التي دخلت أجواء المنطقة، إلى جانب نشاط ملحوظ لطائرات استطلاع وتجسس وطائرات مسيّرة قرب المجال الجوي الإيراني، وفق بيانات موقع تتبع الرحلات FlightRadar24.
ويرجح أن تكون بعض طائرات النقل قد حملت أنظمة دفاع جوي إضافية، في خطوة قد تعكس استعداد واشنطن لحماية قواتها وحلفائها في الخليج من أي رد إيراني محتمل في حال صدور أمر بشن ضربة عسكرية. وفي السياق نفسه، أعلنت بريطانيا إرسال سرب من مقاتلات “تايفون” إلى المنطقة بهدف “تعزيز الأمن الإقليمي”. وكانت إيران قد ردت، عقب الضربات الأمريكية على منشآتها النووية العام الماضي، بإطلاق صواريخ باتجاه قاعدة العديد في قطر. ووفق خبراء اطلعت “بي بي سي” على آرائهم، أظهرت صور أقمار صناعية حديثة تركيب أنظمة دفاع جوي جديدة حول محيط القاعدة.
مؤشر على قرب تنفيذ الضربات
من جانبها، أعلنت القوات الجوية الأمريكية تنفيذ تمرين عسكري واسع النطاق في المنطقة تحت اسم “Agile Spartan”، يهدف إلى استعراض القدرة على نشر وتوزيع ودعم القوة الجوية القتالية ضمن نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية.
كما أشار المتخصص في تتبع السفن والطائرات ستيفان واتكينز إلى رصد وصول طائرات إنذار مبكر وتجسس أمريكية كانت قد استخدمت خلال عملية “ميدنايت هامر”، من بينها RC‑135 وE‑11A BACN وE‑3G Sentry، معتبرًا أن هذا الانتشار “قد يكون مؤشرًا على اقتراب تنفيذ ضربات”. ولا يقل أهمية عن ذلك وصول مجموعة حاملات طائرات أمريكية إلى المنطقة. فقد كانت حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” متمركزة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ قبل أن تتلقى أوامر بالعودة والتوجه نحو الخليج.
ورغم غياب إعلان رسمي عن موقعها منذ أكثر من أسبوع، فإن بيانات تتبع طائرة “أوسبري” أظهرت هبوطها في سلطنة عُمان بعد مغادرتها موقعًا بحريًا في الخليج، ما يشير إلى أن الحاملة قد تكون تنفذ عمليات بالقرب من السواحل العُمانية. وتُعد مجموعات حاملات الطائرات من أبرز أدوات الردع الأمريكية، إذ تضم جناحًا جويًا يتكون من نحو 70 طائرة. وتشمل “أبراهام لينكولن” مقاتلات الشبح الحديثة F‑35، القادرة على اختراق أنظمة الرادار المتقدمة.
كما تتألف المجموعة الضاربة من ثلاث مدمرات مزودة بصواريخ “توماهوك” بعيدة المدى، وغالبًا ما ترافقها غواصة نووية قادرة على إطلاق النوع نفسه من الصواريخ، إضافة إلى مدمرتين أمريكيتين موجودتين بالفعل في المنطقة. وفي هذا السياق، كرر ترامب قوله: “لدينا أسطول كبير يبحر هناك، وسنرى ما الذي سيحدث”.
الأهداف المحتملة
يرى ماثيو سافيل، مدير العلوم العسكرية في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، أن الانتشار العسكري الحالي يمنح الولايات المتحدة قدرة شبه كاملة على استهداف معظم المواقع داخل إيران، باستثناء المنشآت المحصنة في أعماق الأرض، والتي قد تتطلب استخدام قاذفات B‑2. وبحسب سافيل، تمتلك واشنطن عدة خيارات إذا صدر قرار بالتصعيد، من بينها استهداف القدرات العسكرية الإيرانية، مثل الصواريخ الباليستية أو البطاريات الصاروخية الساحلية، بهدف تقليص قدرة طهران على الرد.
ولا تزال إيران تحتفظ بترسانة كبيرة من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى والطائرات المسيّرة بعيدة المدى، ما يثير قلق حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، خاصة مع إعلان بعضهم عدم دعم أي ضربات إضافية. ويتمثل خيار آخر في توجيه ضربات مباشرة لمراكز القوة داخل النظام الإيراني، بما في ذلك الحرس الثوري والميليشيات المتهمة بقمع الاحتجاجات. غير أن سافيل يحذر من أن محاولة إزاحة القيادة الإيرانية قد تكون معقدة ومحفوفة بالمخاطر.
وكانت إسرائيل قد استهدفت شخصيات إيرانية رفيعة خلال حرب استمرت 12 يومًا العام الماضي، إلا أن سافيل يرى أن إيران على الأرجح عززت إجراءاتها الأمنية وغيّرت أنماط انتشار قياداتها منذ ذلك الحين. ويضيف أن الولايات المتحدة قد تكون قادرة على تصفية بعض القيادات، لكن التأثير التراكمي لمثل هذه الضربات يبقى غير مضمون، معتبرًا أن النظام الحالي قد يكون في مراحله الأخيرة، إلا أن سقوطه قد يستغرق وقتًا طويلًا.
ورغم إظهار ترامب استعدادًا لاستخدام القوة العسكرية، فإنه شدد في أكثر من مناسبة على عدم رغبته في الانخراط في نزاع طويل الأمد، إذ اتسمت تدخلاته السابقة بالسرعة والحسم ومحدودية الأهداف. كما لم يُغلق الباب أمام حل دبلوماسي، شرط موافقة إيران على تقليص برنامجها النووي. ويرى سافيل أن ترامب يواجه حاليًا معادلة صعبة، تتمثل في الموازنة بين الظهور بمظهر الحاسم، وإمكانية تحقيق نتائج حاسمة على أرض الواقع.
اقرأ أيضًا:
ترامب يلوّح بتصعيد عسكري أشد ويدعو إيران لاتفاق نووي عاجل
الضربة الأمريكية المحتملة على إيران.. تفاصيل جديدة
الأسئلة التي يجب على ترامب طرحها قبل توجيه ضربة لإيران










