يعد معرض الدفاع العالمي في الرياض أحد أبرز المنصات التي تجسد التحول الجذري في بنية الأمن القومي العالمي وتوجه الدول نحو بناء ترسانات دفاعية تحميها من المخاطر المحدّقة بها.
ومع تسارع وتيرة التسلح والابتكار التقني، لم يعد الدفاع مجرد استثمار في العتاد، بل صار ركيزة للسيادة الوطنية والتكامل الصناعي.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبرز السعودية كقوة صاعدة تسعى لإعادة صياغة استراتيجيتها الدفاعية من خلال توطين التقنيات وبناء الشراكات الدولية العابرة للحدود.
حجم الإنفاق الدفاعي العالمي يتجاوز أرقامه القياسية
وفقًا لأحدث التقارير الاقتصادية والسياسية، سجّل عام 2024 نقطة تحول تاريخية، حيث قفز إجمالي الإنفاق الدفاعي العالمي إلى حوالي 2.46 تريليون دولار، وهو ما يمثل زيادة حقيقية قدرها 7.4% مقارنة بالعام السابق.
وتؤكد هذه البيانات أن وتيرة النمو في الميزانيات العسكرية هي الأسرع منذ عقود، مما يعكس تدهور البيئة الأمنية وتصاعد حدة التهديدات في جبهات حيوية مثل أوروبا والشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وتشير التقارير أن الإنفاق العسكري بات يمثل الآن حوالي 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو مؤشر واضح على تغيير جذري في الأولويات السياسية للدول.
وفي ظل هذه التوترات، سجلت أوروبا أكبر زيادة إقليمية بنسبة 17% لتصل إلى 693 مليار دولار، مدفوعة بشكل مباشر بتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وإعادة تسلح دول الناتو.
وبينما يشهد الشرق الأوسط زيادة بنسبة 15%، نجد أن آسيا وأوقيانوسيا سجلتا زيادة للعام الـ 35 على التوالي، حيث تستحوذ الصين وحدها على نصف الإنفاق الإقليمي في تلك المنطقة.
وتبرز هذه الأرقام تحول العالم من سياسات "عائد السلام" إلى نماذج دفاعية تركز على الجاهزية القصوى والردع المستمر.
الدول الأكثر إنفاقا على القدرات الدفاعية
تستمر الولايات المتحدة في الهيمنة على المشهد الدفاعي العالمي بإنفاق وصل إلى 997 مليار دولار في عام 2024، وهو ما يمثل حوالي 35% إلى 37% من إجمالي الإنفاق العالمي.
وتهدف واشنطن من خلال هذه الميزانية الضخمة إلى الحفاظ على تفوقها التقني وتحديث أسطولها العسكري لمواجهة التحديات المستقبلية.
وتأتي الصين في المركز الثاني بتقديرات تبلغ 314 مليار دولار، حيث تستثمر بكثافة في تطوير قدراتها البحرية والجوية والأنظمة الصاروخية.
وفي المقابل، ضاعفت روسيا ميزانيتها العسكرية لتصل إلى 149 مليار دولار، ما يعادل 7.1% من ناتجها المحلي الإجمالي، في إشارة واضحة إلى تحويل اقتصادها بالكامل لخدمة المجهود الحربي.
ويلاحظ أن قائمة العشرة الكبار تضم أيضًا دولًا مثل ألمانيا التي أنفقت 88.5 مليار دولار، والهند بـ 86.1 مليار دولار، والمملكة المتحدة بـ 81.8 مليار دولار.
وتمثل هذه الدول مجتمعة مع الخمسة الكبار حوالي 60% من إجمالي الإنفاق العالمي، مما يكرس فجوة كبيرة بين القوى العظمى وبقية دول العالم.
وتعد السعودية حالة دراسية استثنائية، حيث تقوم سياسة البلاد على التهدئة والتوسط لحل النزاعات دون التدخل في شؤون الدول، ومع ذلك، سجل الإنفاق الدفاعي حوالي 75.8 مليار دولار في عام 2024.
وتبني السعودية ترسانتها الدفاعية من أجل السلام لا الحرب، برؤية تقوم على أن الردع لازم لتجنيب المنطقة الصراعات التي تهدّد التنمية المستدامة التي تسعى المملكة لتحقيقها.
وفي هذا السياق، تهدف المملكة من خلال رؤية 2030 إلى تحويل هذا الإنفاق من مجرد استهلاك مالي إلى استثمار اقتصادي يسهم في تنويع مصادر الدخل.
ومن المتوقع أن يستمر هذا التوجه الاستراتيجي في النمو لتأمين مكانة المملكة كلاعب محوري في استقرار المنطقة.
جهود مستمرة لتوطين الصناعات العسكرية بالمملكة
يقف معرض الدفاع العالمي كركيزة أساسية لدعم هدف المملكة في توطين ما يزيد عن 50% من إنفاقها العسكري بحلول عام 2030.
وحقق هذا الملف قفزات نوعية، حيث ارتفعت نسبة التوطين من 4% فقط في عام 2018 إلى 24.89% بنهاية عام 2024.
وتدعم الهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI) هذا المسار عبر تحديد 74 فرصة استثمارية في سلاسل الإمداد، منها 30 فرصة ذات أولوية تمثل 80% من الإنفاق المستقبلي.
وتتضمن هذه المنظومة حوافز مالية مثل إعفاءات ضريبية بنسبة 0% على السلع المصنعة محليًا لجذب المستثمرين.
وبالإضافة إلى ذلك، حقق قطاع الصناعات الدفاعية ناتجًا إجماليًا بلغ 6.67 مليار ريال في عام 2024، كما تعمل المملكة أيضًا على تنمية رأس المال البشري من خلال مبادرات مثل برنامج "المرأة في قطاع الدفاع" وبرامج التدريب التقني المتقدمة.
الشركة السعودية للصناعات العسكرية تقود قاطرة التحول
تعد شركة "SAMI" الذراع التنفيذي لتوطين الصناعة، حيث نجحت في تعزيز مكانتها كواحدة من أفضل 100 شركة دفاعية في العالم بالمرتبة 75.
وتهدف الشركة للوصول إلى قائمة الـ 25 الكبار بحلول عام 2030 عبر توسيع محفظتها في الأنظمة الأرضية والجوية والإلكترونيات.
ومن أبرز إنجازاتها إطلاق أول نظام سعودي محلي لإدارة القتال (CMS)، وتوقيع شراكات مع شركات كبرى مثل "لوكهيد مارتن" و"روكيتسان".
وتمكنت الشركة من زيادة قوتها العاملة لتتجاوز 7000 موظف، بمعدل نمو في التوظيف بلغ 633% منذ التأسيس.
وتعزز هذه الخطوات قدرة المملكة على امتلاك سيادة صناعية كاملة والقدرة على التصدير في المستقبل القريب، وبذلك، يتحول معرض الدفاع العالمي إلى منصة حية لاستعراض هذه الإنجازات الوطنية أمام قادة العالم.
أعلى الدول تصديرًا للسلاح
تظل الولايات المتحدة أكبر مصدر للأسلحة في العالم بحصة تبلغ 43% من السوق العالمي للفترة بين 2020 و2024.
وشهدت فرنسا صعودًا ملحوظًا لتصبح المصدر الثاني عالميًا بحصة 9.6%، متجاوزة روسيا التي تراجعت صادراتها بنسبة 64% نتيجة انشغالها بالحرب الداخلية والعقوبات الدولية.
وتأتي الصين في المركز الرابع بحصة 5.9%، تليها ألمانيا بنسبة 5.6% وإيطاليا بنسبة 4.8%، فيما تبرز دول شرق أوسطية إلى جانب الهند وأوكرانيا كأكبر المستوردين للسلاح في العالم، مما يعكس مناطق التوتر الجيوسياسي النشطة.
وتؤكد هذه البيانات وجود تركيز عالٍ في سوق السلاح، حيث تهيمن مجموعة صغيرة من الدول على الصادرات العالمية، ومع ذلك، يسهم معرض الدفاع العالمي في تنويع الخيارات الاستراتيجية للدول المستوردة من خلال تقديم بدائل تقنية متطورة.
عمالقة سوق التسليح
تتصدر شركة "لوكهيد مارتن" القائمة العالمية بإيرادات دفاعية صافية بلغت حوالي 68.4 مليار دولار في عام 2024.
وتأتي شركة "RTX" (رايثيون) في المركز الثاني بـ 43.5 مليار دولار، متبوعة بشركة "CASIC" الصينية التي احتلت المركز الثالث عالميًا.
ويلاحظ دخول لاعبين جدد من قطاع التكنولوجيا الصرفة، حيث قفزت شركة "SpaceX" إلى المركز 40 عالميًا بإيرادات دفاعية بلغت 4 مليار دولار.
كما برزت شركات مثل "Anduril" و"Palantir" كقوى صاعدة في مجال الذكاء الاصطناعي الحربي والبرمجيات.
وتشير هذه التحولات أن مستقبل الدفاع سيعتمد بشكل متزايد على شركات الفضاء والبرمجيات بدلًا من مصنعي الأجهزة التقليديين فقط.
ويحرص معرض الدفاع العالمي على استضافة هذه الشركات المبتكرة لعرض تقنيات الجيل القادم.
ما ينبغي معرفته عن معرض الدفاع العالمي 2026
تنظم الهيئة العامة للصناعات العسكرية النسخة الثالثة من معرض الدفاع العالمي (WDS 2026) في فبراير 2026 بمشاركة 925 عارضًا من 80 دولة.
ويمتد المعرض على مساحة مخصصة تبلغ 800,000 متر مربع، بزيادة قدرها 58% منذ انطلاقه في عام 2022.
ويتضمن المعرض برامج جديدة مثل "مختبر صناعة الدفاع" ومنطقة الأنظمة غير المأهولة التي تسلط الضوء على التقنيات الذاتية.
ومن المتوقع استضافة 130,000 زائر، مع تركيز خاص على ربط الشركات السعودية الصغيرة والمتوسطة بسلاسل القيمة العالمية.
وتؤكد المشاركة القياسية للشركات الصينية والتركية والبريطانية على المكانة المرموقة التي حققها المعرض عالميًا، بينما وتهدف النسخة الثالثة من معرض الدفاع العالمي لتجاوز صفقات النسخة السابقة التي بلغت قيمتها 26 مليار ريال سعودي.
ومن خلال المعرض، تعيد التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي وأنظمة الفضاء والطباعة ثلاثية الأبعاد تعريف مفهوم التفوق العسكري في الميدان
ويشهد القطاع العسكري ثورة تقنية حيث ينتقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة المساعدة إلى مرحلة "الوكالة المستقلة" القادرة على اتخاذ قرارات تكتيكية.
وتعمل الشركات على تطوير شبكات توفر اتصالات فائقة السرعة للأقمار الصناعية الصغيرة، كما أصبح المجال الكهرومغناطيسي مجالًا عملياتيًا بحد ذاته يركز على تقنيات التشويش الذكي وتأمين الشبكات الرقمية.
وبالإضافة إلى ذلك، يتوسع استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد لإنتاج قطع الغيار في الميدان، مما يزيد من مرونة سلاسل الإمداد.
وتعتبر هذه الابتكارات جزءًا لا يتجزأ من العروض التي يقدمها معرض الدفاع العالمي لرسم ملامح حروب المستقبل.
وختامًا، تضع السعودية نفسها كلاعب رئيسي في صياغة مستقبل الدفاع العالمي من خلال رؤيتها الطموحة التي تجمع بين الأمن القومي والنمو الاقتصادي.














