لطالما شكلت السياسة الأمريكية قلب النظام العالمي منذ عقود، لكن فترة رئاسة دونالد ترامب، شهدت تحولات غير مسبوقة على الساحة الدولية. فقد اتسمت سياساته، داخليًا وخارجيًا، بالجرأة والمفاجأة، ما أدى إلى قلب موازين القوى الدولية بشكل غير مسبوق، حتى أثبت أنه أكثر رؤساء الولايات المتحدة قدرة على هز النظام العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تاركًا آثارًا تتجاوز الحدود الأمريكية وتعيد صياغة ديناميكيات القوة الدولية.
حلم الاستحواذ
في اليوم الأول من ولايته الثانية، أطلق ترامب إنذارًا للعالم: "لن يقف شيء في طريقنا". وتضمن خطابه إشارة إلى عقيدة "القدر المحتوم" لأمريكا التي سادت في القرن التاسع عشر، وتشير إلى أن الولايات المتحدة، مقدر لها أن توسع أراضيها عبر القارة. وقد بدأ حلمه بالاستحواذ على قناة بنما، وصولًا إلى رغبته في السيطرة على غرينلاند، وما يميز هذه اللحظة عن أي تجربة سابقة، أن رئيسًا أمريكيًا يهدد اليوم بالاستيلاء على أراضي حليف قديم، متحديًا الأعراف والتحالفات التي شكلت النظام العالمي منذ الحرب العالمية الثانية.
قلق عالمي
ويتزايد القلق عالميًا من حرب تجارية محتملة، ويخش البعض أن يكون حلف الناتو البالغ عمره 76 عامًا في خطر، إذا حاول الرئيس الأمريكي، الاستيلاء على غرينلاند بالقوة، فيما يعزز مدافعوه أجندة "أمريكا أولاً" ضد النظام متعدد الأطراف الذي ساد بعد الحرب، بينما يقترح بعض الجمهوريين، مثل راندي فاين، ضم غرينلاند رسميًا، معتبرين أن الأمم المتحدة فشلت في دعم السلام، بينما يظل الحلفاء الأمريكيون، في مواجهة رئيس غير متوقع ومتقلب، حيث يحاولون التوصل إلى رد موحد عبر الحوار، لكن نجاح هذه الاستراتيجية محدود، كما ظهر في تعامل الغرب مع الأزمة الروسية في أوكرانيا.
وكثيرًا ما يتأرجح ترامب بين مواقف قريبة من روسيا وأخرى مؤيدة لأوكرانيا، في تكتيكات تشبه أسلوبه في إدارة صفقاته العقارية، مع استمرار تهديداته العسكرية لإيران في أفق مفتوح للخيار العسكري. ويصف وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، أسلوب ترامب بإنه غير تقليدي، على عكس الرؤساء السابقين. وكان روبيو قد حاول تهدئة المخاوف بشأن غرينلاند، مؤكدًا أن الرئيس يرغب في شراء الجزيرة، لا غزوها، كخطوة لمواجهة تهديدات الصين وروسيا.
ويعد أسلوب ترامب الاستبدادي، وازدراؤه للعمل الجماعي، وإيمانه بأن القوة هي الحق، واضح للعيان. فقد صرح لصحيفة نيويورك تايمز في مقابلة مطلع هذا الشهر: "لا تخشى روسيا أو الصين، حلف الناتو على الإطلاق. نحن من نخشاهم". مؤكدًا أنه إذا كان الأمن هو القضية، فإن الولايات المتحدة لديها بالفعل قوات برية في غرينلاند، وبموجب اتفاقية عام 1951، يمكنها إرسال المزيد من القوات وفتح المزيد من القواعد.
تقلبات ترامب السياسية
بدت تقلبات ترامب السياسية خلال العام الماضي محيرة. ففي مايو، لقي خطابه في الرياض ترحيبًا حارًا، هاجم فيه “المتدخلين” الأمريكيين الذين دمروا دولًا أكثر مما بنوا. لكن بعد أسابيع، ومع تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران، حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من تقويض الدبلوماسية، قبل أن يصف لاحقًا الضربات الإسرائيلية واغتيال شخصيات إيرانية بارزة بأنها “عمل ممتاز”. يتبنى ترامب هذا النهج مدعومًا بأنصاره، انطلاقًا من قناعته بأن الولايات المتحدة قادرة على التحرك بحرية لحماية مصالحها، داخل محيطها وخارجه.
وفي ملف غرينلاند، ما تزال الردود الأوروبية منقسمة، حيث تعهد الرئيس الأمريكي إيمانويل ماكرون عبر تعريفات جمركية مضادة، بينما تحدثت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني عن «سوء فهم وتواصل». أما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، فدافع عن وحدة أراضي غرينلاند، مع حرصه على تجنب تصعيد تجاري يحمي علاقته بالرئيس الأمريكي.













