تشير التحركات الأمريكية الأخيرة، من فنزويلا إلى غرينلاند وصولًا إلى إيران، إلى نهج استراتيجي متصاعد يهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوة العالمية. ورغم تباعد ساحات هذه التحركات، إلا أنها تصل في النهاية إلى هدف يتمثل في كبح النفوذ الصيني، خصوصًا بمجالات الطاقة والمعادن الحيوية وسلاسل الإمداد.
مناورات ترامب الجيوسياسية
خلال عشرة أيام فقط، اتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سلسلة خطوات مثيرة للجدل، شملت الإطاحة بالرئيس الفنزويلي، والتلميح بضم غرينلاند، وفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على كل من يتعامل تجاريًا مع إيران. ورغم تباين هذه التحركات، فإنها تشترك في هدف واحد يتمثل في سعي الولايات المتحدة إلى تحدي الصين وهيمنتها على المعادن الحيوية.
فمن خلال السيطرة على قطاع النفط الفنزويلي، وتقييد الوصول إلى طرق التجارة والمعادن في غرينلاند، ومعاقبة مشتري النفط الإيراني، تسعى واشنطن إلى تضييق الخناق على الصين، في إطار تنافس جيوسياسي أوسع يشمل أيضًا توترات أقل حدة مع روسيا. أوضح دان ألاماريو، كبير الاستراتيجيين الجيوسياسيين في شركة ألبين ماكرو، أن جوهر هذه التحركات يكمن في التنافس الأمريكي-الصيني، مع حضور أقل حدة للتوترات بين واشنطن وموسكو. وأكد أن الولايات المتحدة لا ترغب بوجود نفوذ صيني أو روسي، أو حتى إيراني، في فنزويلا، ولا بتمدد اقتصادي صيني في غرينلاند، بالتوازي مع سعيها لاحتواء النفوذ الروسي في القطب الشمالي، وإضعاف إيران وفنزويلا اللتين تربطهما علاقات ودية مع بكين وموسكو.
وفي السياق نفسه، أشار غاي كيوني، الرئيس التنفيذي لشركة ميسانغ الاستشارية، إلى أن ذوبان الجليد في القطب الشمالي جعل غرينلاند أكثر جاذبية للصين وروسيا، نظرًا لارتفاع جدوى استخراج المعادن الحيوية، وظهور طرق تجارية جديدة، ما عزز الاهتمام السياسي والاقتصادي الدولي بهذه المنطقة الغنية بموارد أساسية للصناعات الحديثة والدفاعية. وأضاف ألاماريو، أن الولايات المتحدة مصممة على حرمان منافسيها من هذه المواقع الاستراتيجية والموارد الحيوية، مؤكدًا أن السيطرة عليها تشكل جزءًا أساسيًا من استراتيجيتها، لمواجهة النفوذ الصيني والروسي والإيراني عالميًا.
تقليص إمدادات الطاقة
تتمثل استراتيجية الولايات المتحدة في تقليص إمدادات الطاقة للصين، التي تسيطر على نحو 60% من إنتاج المعادن الأرضية النادرة، وأكثر من 90% من طاقتها المعالجة، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية. وأوضح كيوني أن ضم غرينلاند، يتيح لأمريكا الوصول إلى طاقة خضراء وفيرة، تساعد في موازنة النفوذ الصيني، فيما تهدف الإجراءات ضد فنزويلا وإيران -الموردين الرئيسيين للنفط للصين- إلى تقييد إمداداتها من الطاقة، وهو أمر بالغ الأهمية لأن معالجة المعادن الأرضية النادرة كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وأشار ألاماريو، إلى أن بناء قدرات معالجة هذه المعادن أهم من استخراجها، معتبراً أن الطاقة الرخيصة ضرورية لتحول أي دولة إلى قوة عظمى، وأن غرينلاند مهمة في هذا الإطار لكنها ليست مسألة حياة أو موت. كما لفت إلى أن فنزويلا وإيران ليسا من كبار منتجي المعادن الأرضية النادرة، لكنهما يملكان صناعات تعدين كبيرة، إلى جانب كونهما منتجين رئيسيين للطاقة.
المعادن الحيوية
يشجع ترامب الشركات الأمريكية على العودة إلى فنزويلا، واستثمار نحو 100 مليار دولار، في مواجهة الاستثمارات الصينية الكبيرة البالغة 4.8 مليار دولار خلال العقدين الماضيين، والتي تضمنت قروضًا مباشرة من بكين إلى كاراكاس، ما يجعلها عرضة للخطر أمام التدخل الأمريكي. وفي حين تتركز الاستثمارات الصينية في أفريقيا الغنية بالمعادن، فإن قرب غرينلاند من الولايات المتحدة يجعل السيطرة عليها أكثر أهمية، ليس فقط لإقامة شراكات اقتصادية، بل لضمان النفوذ المباشر على مواردها الحيوية.
ورغم هذه المناورات، يرى ألاماريو أن اللجوء إلى القوة العسكرية ضد حليف في الناتو سيكون محفوفًا بالمخاطر، لما قد يسببه من تراجع في ثقة الحلفاء ونفوذ الولايات المتحدة العالمي. ويشير إلى أن التحركات الأمريكية تجاه فنزويلا وغرينلاند تهدف أيضاً إلى إبعاد القوى غير الأمريكية عن نصف الكرة الغربي.
ورغم بعدها الجغرافي، تعد الصين الشريك التجاري الأول لإيران، ويشير ألاماريو إلى أن موقف ترامب المتشدد تجاه طهران يرتبط جزئيًا بالنفط الذي تستورده الصين من الخليج العربي، وبقدرات إيران النووية والصاروخية، ودعمها لحركات تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية، وسعيها للهيمنة الإقليمية، وعلاقتها المتوترة مع واشنطن. وأضاف أن قرب إيران من روسيا والصين يزيد من أهميتها الجيوسياسية.
ويعتبر ألاماريو أن التنافس الأمريكي–الصيني هو "الخيط الرئيسي" وراء تحركات ترامب، مشيرًا إلى أن هذا التنافس يحدد بشكل متزايد البيئة الجيوسياسية والاقتصادية في "عالم ثنائي القطب ناشئ". ومع ذلك، توضح تحركات الولايات المتحدة أنها لا تسعى لصراع مباشر مع بكين، ومن المتوقع عقد قمم بين ترامب وشي لتخفيف التوتر. لكن، يلاحظ ألاماريو أن فرض تعريفات جمركية على شركاء إيران التجاريين قد يضع الصين أمام خيار صعب بين الحفاظ على علاقاتها مع السوق الأمريكية أو دعم حليفتها، مما قد يعوق أي اتفاق سياسي بين القوتين العظميين.











