في ظل الصراعات الإقليمية المتصاعدة والتوترات السياسية التي تعصف بالمنطقة والعالم، اختارت السعودية نهجًا فريدًا في سياستها الخارجية، قائمًا على إرساء السلام وتحقيق الاستقرار في العالم العربي دون التدخل في الشؤون الداخلية، وبعيدًا تمامًا عن منطق فرض النفوذ أو الهيمنة على الآخرين.
وتعكس هذه السياسة رؤية استراتيجية ودبلوماسية نوعية تهدف إلى إدارة التوازنات الإقليمية بحكمة، وتعزيز الحوار والتعاون الدولي وتقريب وجهات النظر وإنهاء الازمات والحروب، وتغليب المصلحة العامة، بما يضمن مصالح المملكة ويخدم الأمن الجماعي للمنطقة.
ومع إطلاق رؤية 2030، اتجهت المملكة نحو سياسة خارجية تركز على الأمن والتنمية الشاملة. كما سعت إلى تهدئة النزاعات القائمة، من خلال المصالحة مع سوريا ودعوة الرئيس بشار الأسد لحضور القمة العربية في جدة 2023، وإعادة تقريب العلاقات مع تركيا بعد سنوات من التوتر. وعلى مستوى أوسع، بادرت السعودية إلى تعزيز الحوار مع إيران عبر وساطة صينية، مؤكدًة التزامها بدور فعال في تهدئة الأوضاع الإقليمية وتحقيق الاستقرار.
استراتيجية السعودية نحو شرق أوسط مستقر
يُعد استقرار الشرق الأوسط و الشغل الشاغل للمملكة منذ عقود، انطلاقًا من رؤيتها الثابتة في حماية الأمن الإقليمي وتعزيز التعاون العربي والإسلامي. ومن خلال مبادراتها المتنوعة، ودورها الفاعل في دعم القضايا العربية، تعمل المملكة على تحويل التحديات الإقليمية إلى فرص لتحقيق الاستقرار والتنمية المشتركة، ما يعكس مكانتها القيادية والثقة الدولية التي تحظى بها.
الأولوية الخليجية
تولي السياسة الخارجية السعودية أهمية كبيرة لدول الخليج نظرًا للعلاقات التاريخية والدينية والثقافية والاجتماعية المشتركة. وعملت المملكة على تعزيز التعاون الخليجي عبر اتفاقيات اقتصادية وأمنية وسياسية، مع التركيز على تنسيق السياسات النفطية والاستقرار الإقليمي، لتكون قاعدة صلبة للتكامل والعمل المشترك بين الدول الخليجية.
كما لعبت السعودية دورًا محوريًا في مواجهة الأزمات الإقليمية، بدءًا من غزو الكويت 1990، حيث لجأت إلى الحلول الدبلوماسية والشرعية الدولية عبر الأمم المتحدة لضمان استقرار المنطقة وحماية الأمن القومي العربي. كما تعاملت المملكة مع التوترات مع قطر بعد الربيع العربي بالضغط الدبلوماسي والاقتصادي لتقليص النفوذ الإقليمي للتنظيمات المدعومة من الدوحة، وفي الوقت نفسه حافظت على التواصل والتنسيق مع دول خليجية أخرى لتحقيق مصالح مشتركة. كما تدخلت في اليمن لتحقيق الاستقرار الإقليمي، بما في ذلك عملية "عاصفة الحزم" للحد من توسع الحوثيين.
ولم تخلُ العلاقات السعودية من الخلاف مع بعض الدول الخليجية حسب المواقف الاستراتيجية؛ فالعلاقات مع عمان شهدت توترات بسبب الدور الوسيط لعمان في الملف الإيراني، بينما حافظت العلاقة مع الإمارات على تنسيق وثيق رغم بعض المنافسات الاقتصادية واليمنية. أما البحرين، فقد حظيت بدعم سعودي مباشر خلال احتجاجات 2011، حيث تدخلت الرياض لضمان استقرار الحكم ومنع أي تمدد نفوذ إيراني، مؤكدًة أن الأمن الخليجي جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني السعودي.
القضايا العربية
اعتبرت السعودية دائمًا القضايا العربية جزءًا أساسيًا من سياستها الخارجية، وجعلت القضية الفلسطينية في صلب اهتماماتها. إذ دعمت المملكة الشعب الفلسطيني والمنظمات المعنية سياسيًا وماديًا، وقدمت مبادرات للسلام العادل، أبرزها مبادرة الملك فهد ومبادرة "الأرض مقابل السلام" عام 2002، مؤكدة أن إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس حق أساسي قبل أي تطبيع عربي مع الاحتلال الإسرائيلي.
وكان للمملكة دورًا محوريًا في دعم الاستقرار اللبناني، بدءًا من رعاية اتفاق الطائف 1989 وحتى الوقوف ضد العدوان الإسرائيلي واحتواء النفوذ الإيراني عبر الحوار مع الأطراف المختلفة. وفي ليبيا، دعمت السعودية الثورة عام 2011 وحثت المجتمع الدولي على حماية المدنيين، متخذة موقفًا حازمًا ضد محاولات القذافي لاستغلال علاقاته السابقة مع المملكة وإضعاف دورها الإقليمي.
على جانب آخر، واجهت العلاقات السعودية-السورية توترًا طويلًا بسبب تقارب النظام السوري مع إيران ودور حزب الله، ما دفع المملكة في البداية إلى دعم إصلاحات داخلية ومساعدات اقتصادية لنظام الأسد، ثم لاحقًا قطع العلاقات الثنائية ودعم تعليق عضويتها في الامعة العربية في 2012. ومع تعقيد المشهد الإقليمي، تحولت السعودية منذ 2015 إلى سياسة الابتعاد عن الصراعات المباشرة والتركيز على تصفير الخلافات وبناء توافق عربي، وصولًا إلى إعادة العلاقات تدريجيًا مع سوريا في 2023 بالتوازي مع المصالحة السعودية-الإيرانية، ضمن استراتيجية تدريجية لإعادة سوريا إلى الحضن العربي مع الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
العلاقات الإقليمية والدولية
فيما يخص العلاقات مع تركيا، شهدت العلاقة تقلبات منذ 2011 بسبب الأزمة السورية والخلافات الإقليمية، لكنها تحولت تدريجيًا نحو التعاون مع إصلاح العلاقات وزيارة الرئيس التركي للسعودية عام 2022، في ظل تغير موازين القوى الدولية. أما العلاقات السعودية-الإيرانية، فتميزت بالتنافس الإقليمي والعقائدي، لكن المفاوضات في مارس 2023 أدت إلى استئناف العلاقات وفتح السفارات، مما ساهم في تهدئة النزاع في اليمن وتعزيز الاستقرار الإقليمي. أما العلاقات السعودية-الإسرائيلية، فتقوم على مبادرة السلام 2002 وحق إقامة دولة فلسطينية، مع نهج يوازن بين المبادئ الفلسطينية والمصالح الوطنية لتحقيق استقرار إقليمي.
وبالنسبة للعلاقات الدولية، فتطورت عبر عقود طويلة، بدءًا من الشراكة مع الولايات المتحدة منذ الثلاثينيات، القائمة على التعاون النفطي والأمني، وعبرت هذه العلاقة عن نفسها في دعم الرياض لمواقف غربية مهمة مع الحفاظ على مصالحها الإقليمية، لكنها شهدت تقلبات نتيجة أحداث مثل حرب أكتوبر 1973 واعتداءات 11 سبتمبر وغزو العراق 2003، لتتجه لاحقًا نحو التعاون الواقعي المتوازن في ظل تحولات الشرق الأوسط بعد 2011.
وفي الوقت نفسه، وسّعت المملكة تواصلها مع القوى الشرقية مثل الصين وروسيا، مدفوعة بالانسحاب الجزئي للولايات المتحدة من المنطقة وتنامي التحديات الإقليمية، بما يتماشى مع رؤية السعودية 2030 لتعزيز الشراكات وتقليل النزاعات، وضمان مكانة المملكة كلاعب مؤثر على الساحة الدولية والإقليمية.
الاستقرار كوسيلة للتنمية
ترى المملكة العربية السعودية أن الاستقرار هو حجر الأساس لكل مسار تنموي ناجح، وأن بيئة مستقرة تمثل الشرط الأساسي لجذب الاستثمارات، وتعزيز النمو الاقتصادي، وضمان رفاهية المجتمع. ومن هذا المنطلق، صممت الرياض دبلوماسيتها على مبدأ تعزيز الأمن الإقليمي والدولي، والعمل على تخفيف التوترات والصراعات من خلال الحوار والتفاهم، مع السعي لبناء جسور الثقة بين الدول والأطراف المختلفة.
وساهم إدراك المملكة لهذه العلاقة بين الاستقرار والتنمية في جعلها تؤدي أدوار الوساطة بشكل مسؤول، وتشارك بفاعلية في المنظمات متعددة الأطراف، مع مراعاة مصالحها الوطنية ومصالح شركائها، لضمان بيئة مستقرة تحقق التنمية المستدامة وتدعم النمو الاقتصادي على المدى الطويل. وبهذه الرؤية، لم تعد الدبلوماسية مجرد أداة سياسية، بل أصبحت آلية متكاملة لتمكين السلام وتحقيق التنمية، مما يعكس فهم المملكة العميق للعلاقة بين الأمن والاستقرار وازدهار المجتمعات.
كما أثبتت المملكة دورها كمركز لاستضافة القمم الإقليمية والدولية كنوع من دعم الحلول السياسي في مقابل المواجهات المفتوحة، حيث اتسمت هذه الفعاليات بالسعي نحو تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي وبناء شراكات قوية بين الدول. وقد لعبت بعض هذه القمم دورًا محوريًا في رسم مسارات التعاون بين دول المنطقة والقوى العالمية الفاعلة، فيما ركزت قمم أخرى على توثيق الروابط الإقليمية وتوسيع نطاقها.
وفي هذا الإطار، استقبلت الرياض سلسلة من الاجتماعات رفيعة المستوى، تضمنت أول قمة بين مجلس التعاون الخليجي ودول رابطة آسيان، بالإضافة إلى القمة الافتتاحية بين مجلس التعاون الخليجي ودول آسيا الوسطى ضمن مجموعة C5. كما احتضنت المملكة قممًا عربية وإسلامية استثنائية للبحث في الأزمات الإنسانية والسياسية، أبرزها الوضع في غزة، إلى جانب اجتماعات متعددة بشأن سوريا وأخرى ضمت مستشاري الأمن القومي من عدة دول لمناقشة التطورات في أوكرانيا، مؤكدًة دورها المحوري كمنصة دبلوماسية تحقق التوازن وتعزز الحوار بين مختلف الأطراف.
اقرا ايضًا:
القائد الملهم.. كيف كسب ولي العهد ثقة الشعوب؟
خارطة العطاء.. المساعدات السعودية للدول العربية والقطاعات المستفيدة
من التأسيس للرؤية.. تاريخ تطور الدور السعودي عربيا












