شهدت الحرب الروسية الأوكرانية تطورًا لافتًا مع لجوء موسكو إلى استخدام أحد أكثر أنظمتها الصاروخية تقدمًا، بعدما أطلقت صاروخ “أوريشنيك” الباليستي الفرط صوتي خلال هجوم ليلي استهدف الأراضي الأوكرانية، في خطوة نادرة أعادت هذا السلاح المتطور إلى واجهة المشهد العسكري والدولي.
الهجوم، الذي وقع في ظل ظروف شتوية قاسية وانخفاض حاد في درجات الحرارة، مثّل أول استخدام معلن لصاروخ أوريشنيك منذ أكثر من عام، ما أثار تساؤلات واسعة حول طبيعة هذا الصاروخ، وقدراته، ودلالات إدخاله مجددًا إلى ساحة القتال.
صاروخ فرط صوتي بقدرات متعددة
يُصنّف “أوريشنيك”، وهو اسم روسي يعني “شجرة البندق”، كصاروخ باليستي فرط صوتي متوسط المدى، يتميز بسرعات هائلة تصل إلى ما يقارب 13 ألف إلى 13,600 كيلومتر في الساعة، أي ما يعادل نحو عشرة أضعاف سرعة الصوت. وينطلق الصاروخ في مسار باليستي يجعله شديد الصعوبة على أنظمة الدفاع الجوي التقليدية.
ووفقًا للتصريحات الروسية، فإن هذا الصاروخ قادر على حمل عدة رؤوس حربية في آن واحد، بحيث يمكنه ضرب أكثر من هدف خلال الهجوم نفسه، وهي خاصية تُعرف بتقنية “الرؤوس المتعددة المستقلة”، وغالبًا ما ترتبط بالصواريخ العابرة للقارات ذات المدى الأطول.
ويعتمد نظام “أوريشنيك” في تصميمه على صاروخ RS-26 “روبيز”، الذي طُوّر في الأصل ضمن برامج الصواريخ العابرة للقارات، قبل أن يُعاد توظيفه ضمن فئة الصواريخ متوسطة المدى ذات السرعات الفرط صوتية. وكغيره من الأنظمة الاستراتيجية الروسية، يتمتع “أوريشنيك” بالقدرة على حمل رؤوس حربية تقليدية أو نووية، رغم عدم وجود أي مؤشرات رسمية على استخدام حمولة نووية في الضربة الأخيرة. ومع ذلك، يؤكد الجانب الروسي أن الصاروخ يمتلك قوة تدميرية عالية حتى عند تجهيزه برؤوس غير نووية.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد صرّح في وقت سابق بأن اعتراض هذا الصاروخ “غير ممكن”، وأن تأثيره التدميري قد يوازي في بعض الحالات تأثير الأسلحة النووية، وهي تصريحات شكك فيها خبراء عسكريون غربيون، معتبرين أنها تحمل قدرًا من المبالغة.
لم يُستخدم “أوريشنيك” سوى مرات قليلة منذ الإعلان عنه. فقد أطلقت روسيا الصاروخ للمرة الأولى على أوكرانيا في نوفمبر 2024، مستهدفة مدينة دنيبرو، إلا أن تقارير أوكرانية أشارت آنذاك إلى أن الصاروخ كان مزودًا برؤوس وهمية، ما جعله أقرب إلى اختبار ميداني أكثر من كونه ضربة تدميرية مكتملة. ويرى مسؤولون غربيون أن هذا السلاح لا يُعد عاملًا حاسمًا في تغيير ميزان القوى على الأرض، مرجحين أن روسيا لا تمتلك سوى عدد محدود منه حتى الآن، رغم إعلانها بدء الإنتاج التسلسلي للصاروخ منذ عام 2024، إلى جانب نشره في بيلاروسيا، الحليف الأقرب لموسكو.
أين سقط الصاروخ وماذا حدث؟
لم تكشف روسيا بشكل رسمي عن موقع سقوط صاروخ “أوريشنيك” خلال الهجوم الأخير، إلا أن السلطات الأوكرانية في مدينة لفيف غرب البلاد أفادت بوقوع انفجارات قوية وضربة صاروخية باليستية طالت منشأة بنية تحتية حيوية. كما أعلنت القوات الجوية الأوكرانية أن الصاروخ تحرك بسرعة استثنائية على مسار باليستي، مشيرة إلى أن تحديد نوعه بدقة سيتم بعد تحليل بقاياه.
وفي السياق نفسه، قالت القوات الجوية الأوكرانية إن روسيا أطلقت خلال تلك الليلة عشرات الصواريخ وأكثر من مئتي طائرة مسيرة، ضمن هجوم واسع استهدف عدة مناطق، من بينها العاصمة كييف، حيث سُجلت أضرار كبيرة في البنية التحتية وانقطاعات واسعة للكهرباء والتدفئة. وتقول موسكو إن إطلاق صاروخ “أوريشنيك” جاء ردًا على ما وصفته بمحاولة أوكرانية لاستهداف أحد مساكن الرئيس فلاديمير بوتين بطائرة مسيرة في وقت سابق، وهو ادعاء نفته كييف، كما أشارت مصادر أمريكية إلى أن الاستخبارات لم تجد دليلًا على صحة هذا الاتهام.
ويأتي هذا التصعيد في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع تحذيرات روسية متكررة من أن أي قوات غربية قد تُنشر في أوكرانيا مستقبلًا ستُعتبر أهدافًا مشروعة، إضافة إلى تصاعد التوتر بين موسكو وواشنطن على خلفية احتجاز ناقلة نفط ترفع العلم الروسي.
وحمل اختيار روسيا لاستخدام صاروخ “أوريشنيك” قرب الحدود الغربية لأوكرانيا، وعلى مقربة من دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي، رسائل سياسية وعسكرية واضحة. فقد وصف وزير الخارجية الأوكراني الضربة بأنها تهديد مباشر للأمن الأوروبي واختبار حقيقي للمجتمع الدولي، مطالبًا بردود حازمة.
اقرأ أيضًا:
لماذا تعد محطة زابوريجيا النووية نقطة خلاف في محادثات السلام الأوكرانية؟
اتهام موسكو لأوكرانيا بالهجوم على مقر رئاسي.. هل تتعثر المفاوضات؟
إمدادات الغرب لأوكرانيا










