أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بشأن غرينلاند، موجة من ردود الفعل الدولية، في ظل تصاعد التنافس الجيوسياسي في منطقة القطب الشمالي. وبينما سارعت الصين إلى الرد بلهجة حادة، لفت الصمت الروسي الانتباه، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول مواقف القوى الكبرى من هذه القضية الحساسة.
طموح واشنطن في غرينلاند
عندما صرح ترامب، بأن الولايات المتحدة قد تضطر إلى الاستيلاء على جزيرة غرينلاند، بدعوى حماية أمنها القومي، مشيرًا إلى ما وصفه بالوجود المكثف للسفن الصينية والروسية في منطقة القطب الشمالي، قوبلت هذه التصريحات برد سريع من بكين، حيث اتهم المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، لين جيان، يوم الاثنين، واشنطن، باستخدام ما يسمى بـ التهديد الصيني كذريعة لتحقيق مصالحها الخاصة. في المقابل، التزمت روسيا صمتًا لافتًا إزاء تصريحات الرئيس الأمريكي، بما في ذلك إشارته إلى إمكانية استخدام القوة العسكرية للسيطرة على الجزيرة القطبية، وهو ما زاد من الغموض حول موقف موسكو من الطموحات الأمريكية في المنطقة.
صمت روسي
قد يفسر الصمت الصادر عن الكرملين إزاء قضية غرينلاند جزئيًا بتزامنه مع عطلة رسمية في روسيا، إذ يحتفل المسيحيون الأرثوذكس بعيد الميلاد في السابع من يناير. كما أن القيادة الروسية لم تصدر حتى الآن أي تعليق بشأن اعتقال حليفها نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، في نهاية الأسبوع الماضي. وكانت قد أصدرت وزارة الخارجية الروسية بيانًا أدانت فيه ما وصفته بـ التصرفات الأمريكية العدوانية في فنزويلا، إضافة إلى احتجاز ناقلة نفط روسية في المحيط الأطلسي يوم الأربعاء، لكنها امتنعت في المقابل عن التعليق على مسألة غرينلاند، الإقليم شبه المستقل التابع للدنمارك.
وقد يكون لدى موسكو، مقارنة ببكين، دوافع أقوى للتعبير بوضوح عن موقفها بشأن أي محاولة أمريكية محتملة للسيطرة على كيان قطبي ضخم مثل غرينلاند، ولا سيما في ظل تركيز روسيا المتزايد خلال السنوات الأخيرة على تعزيز مصالحها الجيوسياسية المتنامية والمتنافسة في منطقة القطب الشمالي. ويستند هذا الاهتمام إلى معطيات واقعية، إذ تعد روسيا الدولة الأكبر حضورًا في القطب الشمالي بفارق كبير، حيث تمتد سواحلها على نحو 53% من إجمالي ساحل المحيط المتجمد الشمالي، فضلًا عن امتلاكها مصالح استراتيجية وجيوسياسية واجتماعية واقتصادية راسخة في هذه المنطقة الحيوية.
ويعد القطب الشمالي ركيزة استراتيجية أساسية للاقتصاد الروسي، إذ يمثل محركًا رئيسيًا لفرص العمل والاستثمار والنمو الاقتصادي. وتتمركز فيه قطاعات حيوية تشمل استخراج النفط والغاز والمعادن، إلى جانب مصائد الأسماك، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية المرتبطة بالنقل، ولا سيما طريق بحر الشمال، الذي يعد ممرًا ملاحيًا محوريًا يربط بين أوروبا وآسيا عبر القطب الشمالي. وعلى الصعيد العسكري، يحتل القطب الشمالي مكانة محورية في منظومة الردع النووي البحري الروسية، حيث تنتشر فيه عدة قواعد عسكرية ومطارات استراتيجية، إلى جانب امتلاك موسكو أسطولًا متخصصًا من كاسحات الجليد، لتسهيل التجارة الدولية، وحركة النقل، وضمان استمرارية عمليات استخراج الموارد الطبيعية في المنطقة.
انقسام الناتو أولوية لموسكو
قد تتأثر المصالح الروسية في القطب الشمالي بتركيز الولايات المتحدة على غرينلاند، خاصة في حال سعيها للسيطرة على الجزيرة بالقوة. إلا أن محللين أكدوا لشبكة CNBC أن موسكو ترى أن هدفها الأهم يتمثل في تعميق الانقسامات داخل حلف شمال الأطلسي. وقال جيمي شيا، نائب الأمين العام المساعد السابق في الناتو، إن اهتمام روسيا بغرينلاند محدود للغاية، موضحًا أن أي تعزيز أمريكي للوجود في الجزيرة لن يحدث تحولًا استراتيجيًا كبيرًا، في ظل القيود التي يفرضها الناتو على تحركات روسيا شمالًا، مع تعزيز دول مثل كندا والدنمارك والنرويج وبريطانيا لقدراتها العسكرية، وانضمام السويد وفنلندا إلى الحلف.
في المقابل، أشار شيا إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قد يستفيد سياسيًا من أي توترات أو انقسامات داخل الناتو، أو أزمة عابرة للأطلسي قد تدفع واشنطن إلى تقليص دعمها لأوكرانيا وسحب قواتها من أوروبا. كما أن انشغال الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي قد يمنح موسكو هامشًا أوسع لتعزيز نفوذها في مناطق أخرى مثل أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأوروبا.
هدية لموسكو
أعادت محاولات دونالد ترامب الاستيلاء على غرينلاند، مصحوبة بتهديده باستخدام القوة العسكرية، حالة من الصدمة والقلق داخل حلف شمال الأطلسي وبين الدول الأوروبية الأعضاء خلال الأيام الماضية. وأكدت كل من غرينلاند والدنمارك مرارًا، أن الجزيرة ليست معروضة للبيع أو التنازل، محذرتين من أن أي تحرك عسكري أمريكي سيقوض أسس حلف الناتو. كما شدد قادة أوروبيون على رفضهم لموقف ترامب، مؤكدين أن القرار في القضايا المتعلقة بغرينلاند والدنمارك يعود إليهما حصريًا.
ومن المقرر أن يعقد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اجتماعًا مع مسؤولين دنماركيين الأسبوع المقبل، في ظل تصاعد التوتر. ويرى إدوارد أرنولد، الباحث في معهد RUSI، أن حالة القلق الأوروبي المتزايدة واحتمالات تصدع الناتو تمثل هدية ثمينة لبوتين، موضحًا أن موسكو تدرك استحالة هزيمة الحلف عسكريًا، وتسعى بدلًا من ذلك إلى تقويضه سياسيًا عبر إضعاف المادة الخامسة وإبعاد الولايات المتحدة عن أوروبا. وأضاف أن تحول ضم غرينلاند إلى سيناريو واقعي قد يؤدي إلى تفكك الناتو سياسيًا من الداخل.













