تواجه اليابان تحديًا طبيعيًا مستمرًا يجعلها من أكثر مناطق العالم تعرضًا للزلازل، إذ تقع في منطقة نشطة جيولوجيًا عند تقاطع أربع صفائح تكتونية تتحرك بشكل دائم، ما يجعل الهزات الأرضية جزءًا متكررًا من واقعها.
اليابان في مواجهة الزلازل
ويزيد موقعها ضمن نطاق "حلقة النار" في المحيط الهادئ من احتمالية تعرضها للكوارث الطبيعية، حيث يمتد هذا الحزام لمسافة تصل إلى نحو 25 ألف ميل، ويضم مناطق تشهد نشاطًا بركانيًا وزلزاليًا واسعًا.
وعادت هذه المخاطر إلى الواجهة بعد زلزال قوي ضرب محافظة كوماموتو جنوب البلاد بقوة 6.8 درجة، ما استدعى نشر فرق الإنقاذ والطوارئ للبحث عن المتضررين، والتعامل مع الأضرار التي خلفتها الهزة.
ورغم التحديات الطبيعية المتكررة، طورت اليابان منظومة متكاملة للتعامل مع الزلازل، مستندة إلى استثمارات ضخمة في أنظمة الإنذار المبكر، وتقنيات مراقبة النشاط الزلزالي، وخطط الإخلاء، إضافة إلى تشييد مبانٍ ومنشآت قادرة على مقاومة الهزات.
وأصبح الاستعداد للزلازل جزءًا من الثقافة المجتمعية في اليابان، حيث يتلقى الأطفال تدريبات على كيفية التصرف أثناء الكوارث منذ سنواتهم الأولى، فيما تظل احتمالات وقوع زلزال ضخم تشغل الرأي العام، خاصة مع التحذيرات المستمرة من زلزال هائل قد يحدث مرة كل قرن.
خسائر بشرية في زلزال كوماموتو
خلّف الزلزال الأخير في كوماموتو 13 وفاة على الأقل، فيما استمرت عمليات البحث عن مفقودين ومساعدة المصابين وسط مخاوف من وجود عالقين تحت الأنقاض.
وتعمل فرق الإنقاذ على فحص المناطق المتضررة، بعد انهيار أجزاء من منشآت عدة، من بينها مركز تجاري تعرض لأضرار عقب انفجار أعقب الزلزال، وسط اشتباه بحدوث تسرب للغاز.
كما تواصل السلطات البحث عن عدد من الموظفين المفقودين داخل مصنع للورق، بينما تشارك الشرطة وفرق الإطفاء وقوات الجيش في جهود الإنقاذ والإغاثة.
وأكدت رئيسة الوزراء سناء تاكايتشي أن الأولوية حاليًا هي الوصول إلى المتضررين، قائلة إن "كل ثانية مهمة" مع استمرار عمليات الإنقاذ.
ويعيد الزلزال الحالي إلى الأذهان كارثة عام 2016 التي ضربت كوماموتو أيضًا، وتسببت آنذاك في أضرار كبيرة وسقوط أكثر من 270 قتيلًا، قبل أن تبدأ المنطقة جهودًا طويلة لإعادة البناء والتعافي.
تاريخ طويل من الزلازل
تمتلك اليابان سجلًا طويلًا مع الزلازل المدمرة، إذ شكلت هذه الكوارث جزءًا من تاريخها عبر قرون متعاقبة. ففي العصور القديمة والإقطاعية، كانت الهزات الأرضية تضرب المدن والبلدات بشكل متكرر، مخلفة دمارًا واسعًا بسبب طبيعة المباني التقليدية المصنوعة من الخشب والورق، والتي كانت تزيد من مخاطر اندلاع الحرائق بعد الزلازل.
ومن بين الكوارث التاريخية البارزة، زلزال عام 1498 الذي يُعتقد أنه تسبب في وفاة أكثر من 30 ألف شخص، رغم اختلاف التقديرات حول حجم الخسائر. كما شكل زلزال كانتو الكبير عام 1923 محطة مأساوية أخرى، بعدما دمر مناطق واسعة من العاصمة طوكيو وأدى إلى مقتل نحو 140 ألف شخص.
ومع تزايد الخسائر، بدأت اليابان منذ ثمانينيات القرن الماضي في تشديد معايير البناء وتطوير قوانين أكثر صرامة لمقاومة الزلازل. وأثبتت هذه الإجراءات فعاليتها خلال زلزال كوبي عام 1995، الذي أودى بحياة أكثر من 6000 شخص، إذ تركزت معظم الأضرار في المباني القديمة التي شُيدت قبل تطبيق المعايير الجديدة.
ودفعت هذه الكارثة اليابان إلى إطلاق جهود واسعة لتحديث المنشآت القديمة، وتعزيز أنظمة الاستجابة للطوارئ، ورفع قدرة البنية التحتية على مواجهة الهزات الأرضية. وبفضل قوتها الاقتصادية، تمكنت البلاد من الاستثمار بشكل كبير في التكنولوجيا والابتكار لتقليل آثار الكوارث الطبيعية.
لكن رغم كل هذه الاستعدادات، تظل قدرة التكنولوجيا محدودة أمام قوة الطبيعة، ففي عام 2011، تعرضت اليابان لأحد أعنف الزلازل في تاريخها الحديث، عندما ضرب زلزال توهوكو بقوة 9.1 درجة، أعقبه تسونامي مدمر تسبب في كارثة محطة فوكوشيما النووية.
وأسفرت الكارثة عن وفاة ما يقرب من 20 ألف شخص، فيما ظل آلاف آخرون في عداد المفقودين، ليصبح هذا الزلزال من أقوى الزلازل المسجلة خلال القرن الحالي.
ولا تزال الزلازل الأقل قوة قادرة على إحداث خسائر كبيرة، إذ تسبب زلزال بلغت قوته 7.1 درجة في منطقة نوتو غرب اليابان عام 2024 في وفاة أكثر من 700 شخص.
لماذا تكثر الزلازل في اليابان؟
يرتبط النشاط الزلزالي المكثف في اليابان بموقعها الجغرافي عند نقطة التقاء أربع صفائح تكتونية تتحرك باستمرار، إذ يؤدي احتكاك هذه الصفائح وتداخلها مع بعضها إلى تراكم الطاقة داخل القشرة الأرضية، قبل أن تتحرر بشكل مفاجئ على هيئة زلازل.
وتقع اليابان ضمن نطاق "حلقة النار" حول المحيط الهادئ، وهي منطقة نشطة زلزاليًا وبركانيًا تمتد عبر عدة دول، من بينها تشيلي وإندونيسيا وجزر سليمان والساحل الغربي للولايات المتحدة، حيث تلتقي صفيحة المحيط الهادئ بالصفائح القارية والمحيطية المحيطة بها.
وقال شويتشي يوشيوكا، أستاذ بجامعة كوبي اليابانية، إن نحو 10% من الزلازل التي تبلغ قوتها 6 درجات أو أكثر تحدث في اليابان أو المناطق القريبة منها، مؤكدًا أن مستوى الخطر هناك يفوق مناطق مثل أوروبا وشرق الولايات المتحدة التي تعد الزلازل فيها أقل انتشارًا.
اقرأ أيضًا:
ساعات الرعب.. قصص الخوف والأمل في زلزال اليابان
جحيم التغير المناخي.. حرائق كالقنابل الذرية تعيد تشكيل أوروبا
أعنف الزلازل التي ضربت اليابان آخر 15 عام














