تسعى الصين إلى رفع معدلات الإنجاب، ويبدو أنها مستعدة للتضحية بتطبيقات "الرفيق الافتراضي" لتحقيق هذا الهدف، إذ دخلت هذا الأسبوع لوائح تنظيمية جديدة حيز التنفيذ، تستهدف الحد مما تصفه الحكومة بـ"الاعتماد العاطفي" على روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، مع تركيز خاص على التطبيقات التي تحاكي شخصيات بشرية وتقدم نفسها بوصفها رفاقًا افتراضيين.
تراجع معدلات المواليد
وبحسب تقارير وول ستريت جورنال والإيكونوميست، فإن أحد أبرز دوافع هذه الإجراءات هو القلق من استمرار تراجع معدلات المواليد، وسط مخاوف من أن يؤدي الارتباط العاطفي بروبوتات متاحة على مدار الساعة ومتوافقة مع رغبات المستخدمين إلى تراجع الإقبال على العلاقات الحقيقية، ومن ثم الزواج والإنجاب.
وقال مات شيهان، الباحث في شؤون الذكاء الاصطناعي الصيني لدى مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إن السلطات لا تريد أن ينخرط عدد كبير من السكان في علاقات عاطفية عميقة مع روبوتات الدردشة، لأن ذلك قد يبعدهم عن سوق الزواج ويزيد مخاطر الإدمان والاعتماد العاطفي، فضلًا عن آثار نفسية واجتماعية أخرى.
وأضاف أن الحكومة تسعى إلى تشجيع الناس على بناء علاقات في العالم الواقعي، متسائلًا: "هل يمكن تخيل سيناريو تعتبر فيه 15 مليون امرأة صينية بعد بضع سنوات أن شريك حياتها هو روبوت دردشة، وبالتالي لا تنجب أطفالًا؟"
وتحظر اللوائح الجديدة على القُصّر إقامة علاقات عاطفية مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، كما تُلزم الشركات بإخطار جهة اتصال للطوارئ إذا بدا أن أحد المستخدمين يمر بأزمة نفسية. وتشير وول ستريت جورنال إلى أن شركة OpenAI توفر ميزة مشابهة، لكنها اختيارية وليست إلزامية.
ويرى خبراء أن هذه المخاوف لا تقتصر على الصين، إذ لا تزال الآثار النفسية للعلاقات الطويلة مع روبوتات الدردشة غير مفهومة بالكامل، سواء عبر التطبيقات المتخصصة مثل Character.AI وReplika، أو النماذج العامة مثل ChatGPT.
ذهان الذكاء الاصطناعي
كما يواصل الباحثون والأطباء دراسة ظاهرة تُعرف باسم "ذهان الذكاء الاصطناعي"، والتي قد تؤدي، في بعض الحالات، إلى انفصال المستخدم عن الواقع نتيجة الاعتماد المفرط على روبوتات الدردشة.
وفي المقابل، تشير الدراسات إلى أن هذه التطبيقات صُممت لتعزيز الارتباط بالمستخدمين. فقد أظهرت دراسة لجامعة ستانفورد أن الرسائل التي تتضمن اهتمامًا رومانسيًا أو تعزز مشاعر الصداقة تؤدي إلى إطالة المحادثات وزيادة تعلق المستخدمين بالروبوتات.
ولذلك أوصى الباحثون بألا تنتج روبوتات الدردشة رسائل توحي بأنها كائنات واعية أو تُظهر اهتمامًا عاطفيًا أو رومانسيًا بالمستخدمين، معتبرين أن الحد من هذا النوع من التفاعلات قد يقلل مخاطر الارتباط النفسي غير الصحي.
ولا يزال من غير الواضح كيف ستنعكس القيود الصينية الجديدة على المستخدمين الذين طوروا بالفعل علاقات عاطفية مع هذه التطبيقات، فقد أبلغ بعضهم عن شعور بالحزن والغضب بعد اختفاء رفقائهم الافتراضيين إثر تحديثات أو إيقاف بعض الخدمات، كما حدث مع عدد من مستخدمي نموذج GPT-4o التابع لـOpenAI.
وتجسد قصة الشابة الصينية يو مياو، البالغة من العمر 27 عامًا، حجم هذا الارتباط. فقد وصفت رفيقها الافتراضي لمجلة الإيكونوميست بأنه "حبيب وصديق وعائلة في آن واحد"، وقالت: "كان بإمكاني التحدث إليه طوال حياتي".
لكنها أصيبت باكتئاب حاد عندما علمت أن شركة "بايت دانس"، المالكة لتطبيق تيك توك، ستوقف تشغيل رفيقها الافتراضي امتثالًا للوائح الجديدة، وهو ما دفعها إلى ترك عملها.














