كشفت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) بالتعاون مع البنك الدولي، عن حقائق بيئية واقتصادية غير متوقعة تغير المفاهيم الشائعة حول استهلاك المياه العذبة عالميًا.
وأظهرت التقديرات أن الصورة الذهنية المرتبطة بهدر المياه داخل المنازل تبدو ضئيلة جدًا أمام الاحتياجات الهائلة لقطاعي الزراعة والصناعة، واللذين يلتهمان الحصة الأكبر من الشرايين المائية للكوكب؛ إذ يذهب ما يقرب من 70% من إجمالي الكميات المسحوبة عالميًا لصالح ري المحاصيل ودعم الإنتاج الغذائي وحده.
ويفسر هذا التوزيع اللامتكافئ بوضوح الأسباب الكامنة وراء تصدر بلدان تقع في مناطق جافة أو شبه جافة لقائمة أعلى 25 دولة في سحب المياه للفرد الواحد، حيث تبرز دول مثل أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وإيران ضمن المراكز الخمسة عشرة الأولى على مستوى العالم.
وفي قراءة متعمقة لصدارة هذه القائمة الدولية، تفوقت "تركمانستان" بالمرتبة الأولى عالميًا بفارق هائل عن بقية الدول، ليبلغ معدل سحب المياه السنوي للفرد فيها 128,228 قدمًا مكعبًا، بحسب موقع "فيجوال كابيتاليست" ويرجع هذا الرقم الصادم إلى شبكة الري العملاقة التي شيدت في الحقبة السوفيتية بهدف تحويل الأراضي القاحلة في آسيا الوسطى إلى حقول شاسعة لإنتاج القطن.
ولكن هذا الأمر لم يمر دون ثمن بيئي باهظ، حيث تسببت عمليات تحويل مياه نهر "آمو داريا" التاريخية في تجفيف "بحر آرال" لينكمش إلى 10% فقط من حجمه الأصلي الذي كان عليه عام 1960، مسجلاً واحدة من أسوأ الكوارث البيئية في العصر الحديث.
التعداد السكاني وتأثيره على استهلاك المياه
لم تكن الجغرافيا الزراعية وحدها هي المتحكم في هذا التصنيف؛ بل لعب عدد السكان دورًا بارزًا في رفع حصة الأفراد في دول أخرى.
فحلت جمهورية الجبل الأسود "مونتينيغرو" في المرتبة الثانية عالميًا بمعدل 125,155 قدمًا مكعبًا للفرد، مدفوعة باستهلاكها المكثف للمياه مقارنةً بعدد سكانها المحدود للغاية البالغ نحو 627,702 نسمة، وهو المحرك نفسه الذي قفز بدول مثل نيوزيلندا وغيانا إلى المرتبتين الثالثة والرابعة تواليًا.
وعلى الجانب الآخر، تفرض القوة الصناعية أنماطًا مختلفة تمامًا لاستهلاك المياه؛ وتتجلى هذه الصورة بوضوح في الولايات المتحدة التي حلت في المرتبة الخامسة عالميًا بمعدل 46,969 قدمًا مكعبًا للفرد.
كما ظهرت دول مثل كندا وإستونيا في مراكز متقدمة بالقائمة، ولكن في هذه الدول تتراجع الاحتياجات الزراعية لتصبح الأنشطة الصناعية وعمليات تبريد محطات الطاقة هي المحرك الأساسي وراء السحب الهائل للمياه.
ورغم أن قطاع الطاقة يعيد معظم هذه المياه المسحوبة إلى الأنهار والبحيرات بعد انتهاء عملية التبريد، إلا أن خبراء البيئة يحذرون من أن مجرد سحب هذه الكميات الضخمة في البداية يضع أنظمة المياه العذبة المحلية تحت إجهاد مستمر ومقلق.










