بدأت ألمانيا رحلة العودة إلى "الزعامة العسكرية"، حيث تشهد برلين تحولًا جذريًا في عقيدتها الأمنية لم تشهده منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مدفوعةً بمخاوف متصاعدة من تمدد النفوذ الروسي شرقًا.
ووصف وزير الدفاع الألماني، في خطاب حازم أمام البرلمان مؤخرًا، روسيا بأنها "التهديد الأبرز والأكثر إلحاحًا" لأمن القارة الأوروبية، معلنًا عن خطة طموحة تهدف إلى تحويل الجيش الألماني إلى القوة التقليدية الأكبر والأكثر فتكًا في أوروبا، وهو ما أثار حفيظة الكرملين الذي يراقب هذه التحركات بقلق بالغ.
وتسعى ألمانيا من خلال هذه الاستراتيجية الجديدة إلى رفع تعداد قواتها بشكل غير مسبوق، حيث تستهدف الوصول بجمالي عدد الأفراد ما بين القوات العاملة والاحتياطية إلى 460 ألف جندي، معتمدة في ذلك على نظام التطوع الأساسي كركيزة أولى، مع فتح الباب أمام إمكانية العودة لنظام التجنيد الإجباري الذي تم تجميده في عام 2011.
ولم تكتف برلين بإعادة هيكلة القوى البشرية، بل عززت وجودها الميداني بنشر لواء الدبابات "45" في ليتوانيا، على مقربة من الحدود البيلاروسية، في خطوة وصفتها موسكو بالاستفزازية.
ألمانيا تحاول إعادة رسم خريطة القوى الأوروبية
في سياق متصل، قفز الإنفاق العسكري الألماني إلى مستويات قياسية بلغت 88 مليار دولار في عام 2024، لتتصدر برلين بذلك قائمة الدول الأوروبية من حيث الموازنات الدفاعية.
ويشمل هذا الإنفاق تخصيص صندوق خاص بقيمة 100 مليار يورو لتحديث الترسانة العسكرية، بالإضافة إلى استثمارات ضخمة في قطاع الطائرات المسيرة بعيدة المدى، ودعم الإنتاج المشترك للمعدات الحربية مع حلفائها.
وبينما تتصاعد التوترات، كشفت التقارير عن "خطة العمليات الألمانية" (OPLAN DEU)، وهي خطة دفاعية وطنية شاملة تهدف لتنسيق انتشار نحو 800 ألف جندي من قوات الناتو عبر الأراضي الألمانية باتجاه الجناح الشرقي للحلف.
وترى موسكو في هذه التحركات "مسارًا مباشرًا نحو التصعيد النووي"، محذرة من أن الغرب يجهز الساحة لمواجهة عسكرية مباشرة، فيما تؤكد برلين أن هذه الإجراءات ضرورية للردع، خاصة مع تزايد احتمالية شن روسيا هجومًا على أراضي الناتو بحلول عام 2029.
وتبدو ألمانيا اليوم مدفوعة بما يسمى "عامل ترامب"، حيث يخشى القادة الأوروبيون من تراجع الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية، مما استوجب تسريع خطط الاكتفاء الدفاعي الذاتي.
وتختتم برلين هذا المشهد السياسي المتأزم باستدعاء السفير الروسي للاحتجاج على ما وصفته "بالتهديدات المباشرة"، مؤكدة أن أمن القارة لم يعد يحتمل أنصاف الحلول، وأن عصر الهدوء الأوروبي قد ولى إلى غير رجعة تحت وطأة طبول الحرب التي تُقرع في الشرق.
وتستمر ألمانيا في تنفيذ استراتيجيتها لعام 2035، مستهدفة الوصول بجيشها النشط إلى 260 ألف جندي، لتعلن رسميًا انتهاء حقبة "الدبلوماسية الناعمة" وبدء عهد "الردع الخشن" الذي يعيد تشكيل توازنات القوى العالمية في مطلع عام 2026.












