في وقت تُقاس فيه قوة الشركات بحجم استثماراتها وتوسعاتها، تكشف بيانات حديثة عن سباق موازٍ لا يتعلق بالمصانع أو الاستحواذات، وإنما بالنقد السائل ذاته.
فبينما تنفق شركات كبرى مليارات الدولارات على بناء قدرات جديدة، تحتفظ في الوقت نفسه بأرصدة نقدية ضخمة، تضعها في حسابات قصيرة الأجل أو أوراق مالية سريعة التسييل.
وترصد البيانات المستندة إلى «TradingView» حتى 11 فبراير 2026، أكبر 50 شركة في العالم من حيث حجم النقد والاستثمارات قصيرة الأجل. ويشمل المقياس، الذي أعدته المنصة المتخصصة في البيانات المالية والتحليل الفني، الأصول الأكثر سيولة، أي النقد إلى جانب أدوات قصيرة الأجل مثل أذون الخزانة التي تستحق عادة خلال عام واحد.
شركات الصدارة
تكشف الأرقام عن مفارقة لافتة، فالشركات المتصدرة تملك وفرة نقدية تكفي لشراء شركات أخرى، ومع ذلك تفضل الانتظار.
وتتصدر شركة «Berkshire Hathaway» القائمة باحتفاظها بـ381.7 مليار دولار، ورقم يتجاوز بفارق واسع أقرب منافسيها، ويعكس سياسة مختلفة عن بقية الشركات.
في المرتبة الثانية تأتي «CITIC Limited» بقيمة 171.5 مليار دولار، تليها «Daiwa Securities Group» بـ131.4 مليار دولار، ثم تحضر شركات التكنولوجيا الكبرى في المراكز التالية، حيث تمتلك «Alphabet» 126.8 مليار دولار، وتليها «Amazon» بـ126.3 مليار دولار.
وتستمر القائمة لتشمل «Taiwan Semiconductor Manufacturing» بـ97.8 مليار دولار، و«Interactive Brokers Group» بـ93.4 مليار دولار، و«Microsoft» بـ89.5 مليار دولار، و«Charles Schwab» بـ88.9 مليار دولار، و«Meta Platforms» بـ82.4 مليار دولار، إضافة إلى «Volkswagen» و«PDD Holdings» و«Apple» و«NVIDIA» و«Tencent».
استراتيجية لا تفرضها اللوائح
بين أكبر 50 شركة، يحتفظ قطاع الخدمات المالية وحده باحتياطيات نقدية تبلغ 1.2 تريليون دولار، جزء من هذا الرقم يعود إلى قواعد رأسمالية صارمة تُلزم البنوك بالاحتفاظ بمصدات سيولة كبيرة.
غير أن حالة «Berkshire Hathaway» تبدو مختلفة، فموقعها النقدي يوصف بأنه استراتيجي وليس تنظيميًا، فبعد 12 ربعًا متتاليًا باعت فيها الشركة أسهمًا أكثر مما اشترت، أوقفت الإدارة جانبًا جزءًا كبيرًا من السيولة في أذون خزانة أمريكية قصيرة الأجل، في إشارة إلى أن تقييمات الأسهم تبدو مرتفعة.
وتظهر البيانات أن نسبة النقد وما يعادله إلى إجمالي الأصول لدى الشركة بلغت مستوى قياسيًا يناهز 31 في المئة من إجمالي الأصول.
تاريخيًا، تزامنت مثل هذه المستويات مع فترات انتظار لما يوصف باضطراب اقتصادي أو سوقي كبير، قبل إعادة توظيف رأس المال مع عودة الأسعار إلى متوسطاتها. هكذا يتراكم ما يشبه مخزونًا جافًا يُستخدم عند اللحظة المناسبة.
عمالقة التكنولوجيا بين السيولة والدين
الخط السردي الثاني يقوده عمالقة التكنولوجيا، فشركات ما يعرف باسم Magnificent Seven، وهي «Alphabet» و«Amazon» و«Meta Platforms» و«Microsoft» و«Apple» و«NVIDIA» و«Tesla»، تحتفظ مجتمعة بـ597 مليار دولار. رقم يكفي لشراء معظم شركات مؤشر S&P 500.
تقليديًا، تعمل شركات التكنولوجيا الكبرى كآلات نقدية ضخمة. هوامش ربح إجمالية مرتفعة، وهياكل تكاليف قابلة للتوسع، ما يعني أن أي زيادة في الإيرادات تتحول سريعًا إلى تدفقات نقدية. ومع ذلك، ورغم الإنفاق الكثيف على بناء ما يوصف بمصانع الذكاء الاصطناعي، استخدمت هذه الشركات جزءًا محدودًا من احتياطياتها لتمويل تلك الاستثمارات، مفضلة اللجوء إلى الدين.
هذا الخيار يعكس رغبة مزدوجة. فمن جهة، تظل السيولة متاحة لتمويل عمليات استحواذ محتملة. ومن جهة أخرى، تشكل مخزونًا دفاعيًا في مواجهة اضطرابات اقتصادية محتملة، سواء جاءت من تهديدات تعريفات جمركية أو صراعات جيوسياسية.
في النهاية، تكشف قائمة أكبر الشركات احتفاظًا بالنقد عن معادلة دقيقة بين الجرأة والتحفظ. سيولة هائلة تتكدس في دفاتر الشركات، في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية. وبين الانتظار والترقب، تبقى هذه المليارات مؤشرًا على كيفية قراءة الشركات الكبرى للمشهد العالمي في 2026.












