لم تعد فكرة تطوير لقاح ضد سلالة واحدة من الفيروسات هي المسار الوحيد الذي يسعى إليه الباحثون؛ إذ تتجه الأبحاث نحو تصميم لقاحات أوسع قدرة على مواجهة سلالات متعددة من الفيروس نفسه، بما يحد من الحاجة إلى تطوير لقاح جديد مع كل تحور. ليطرح السؤال، ماذا لو أمكن مواجهة سلالات متعددة من الفيروس بلقاح واحد، بدلًا من تطوير لقاح جديد مع كل متغير؟

هذا التحدي الذي يسعى الباحثون إلى تجاوزه بمساعدة الذكاء الاصطناعي، في محاولة للانتقال من ملاحقة الفيروسات بعد تحورها إلى استهداف الخصائص المشتركة بينها. وفي تطور لافت، أعلن باحثون في جامعة كامبريدج تطوير لقاح واسع الطيف ضد إنفلونزا الطيور بمساعدة الذكاء الاصطناعي، في خطوة تستهدف استباق تطور الفيروس بدلًا من الاكتفاء بملاحقة سلالاته بعد ظهورها.

أظهر اللقاح نتائج واعدة في التجارب الحيوانية، بعدما وفر حماية كاملة للفئران وحيوانات النمس المختبرة من سلالات متنوعة، متفوقًا على اللقاح المرجعي المستخدم للمقارنة. لكن هذه النتائج تفتح سؤالًا مهمًا: هل يعني نجاح التصميم والاختبارات الحيوانية أن اللقاح أصبح قريبًا من الاستخدام البشري؟

ما معنى لقاح واسع الطيف؟

على عكس اللقاحات التي تستهدف سلالة أو متغيرًا محددًا من الفيروس، يسعى اللقاح واسع الطيف إلى توفير حماية ضد مجموعة متنوعة من السلالات، من خلال استهداف خصائص مشتركة بينها. وتبرز أهمية هذا النهج مع إنفلونزا الطيور، التي تنتمي إلى فيروسات الحمض النووي الريبي (RNA)، المعروفة بقدرتها على التحور وتكوين سلالات جديدة قد تختلف في خصائصها عن تلك التي استُخدمت في تطوير اللقاحات.

وتعتمد الاستعدادات لمواجهة الأوبئة على تطوير وتخزين لقاحات تستهدف سلالات فيروسية معروفة، وهو ما قد يفرض تحديًا عند ظهور متغيرات جديدة تختلف في خصائصها. أما النهج الجديد، فيستهدف توفير حماية أوسع من سلالات متعددة، بما يعزز فرص مواجهة تنوع الفيروس دون الاقتصار على سلالة واحدة.

كيف ساعد الذكاء الاصطناعي في تصميمه؟

بدأ الباحثون بجمع البيانات الجينية لسلالات إنفلونزا الطيور التي رصدتها برامج المراقبة حول العالم، بما يشمل عينات من الحيوانات البرية والماشية والبشر المصابين بالفيروس. واستخدموا خوارزميات حاسوبية وتطورية لتحليل هذه البيانات، وتحديد الخصائص المستضدية المشتركة بين السلالات المختلفة.

وبناءً على هذا التحليل، صمم الفريق خمسة مستضدات اصطناعية محسّنة بالذكاء الاصطناعي، تمثل التنوع الجيني العالمي لفيروسات إنفلونزا الطيور. والمستضد هو المكوّن النشط في اللقاح الذي يحفز الجهاز المناعي على إنتاج استجابة تساعد الجسم على مواجهة العدوى مستقبلًا.

ويساعد الذكاء الاصطناعي على تسريع عملية تصميم اللقاحات وتحليل البيانات، لكنه لا يستبدل الاختبارات المعملية؛ إذ تخضع اللقاحات المرشحة للفحص للتحقق من خصائصها قبل الانتقال إلى التجارب الحيوانية والبشرية.

ماذا أثبتت التجارب الحيوانية؟

أظهرت نتائج الدراسة المنشورة في مجلة "Cell Reports Medicine" أن اللقاح الجديد وفر حماية كاملة للفئران وحيوانات النمس التي خضعت للاختبارات، عند تعريضها لمجموعة من السلالات المختلفة جينيًا من فيروس إنفلونزا الطيور. ووفقًا للباحثين، فإن هذه السلالات جميعها سبق أن تسببت في إصابات بشرية وتمثل تهديدات محتملة لحدوث أوبئة.

ولقياس كفاءة اللقاح، قارنه الباحثون بلقاح منظمة الصحة العالمية الموجود ضمن مخزونات الاستعداد لمواجهة الأوبئة. وأظهرت النتائج أن نحو نصف الحيوانات التي تلقت اللقاح المرجعي نجت من التعرض للسلالات نفسها، مقابل حماية كاملة للحيوانات التي تلقت اللقاح الجديد.

وتشير هذه النتائج إلى تفوق المرشح الجديد في الاختبارات الحيوانية، لكنها لا تثبت قدرته على توفير الحماية نفسها لدى البشر. فنجاح اللقاح في الحيوانات يمثل دليلًا على إمكاناته، وليس إثباتًا نهائيًا لفعاليته أو أمانه للاستخدام البشري.

من نجاح التصميم إلى إثبات الفعالية البشرية

رغم النتائج الواعدة، فإن تصميم لقاح قادر على استهداف سلالات متعددة وإثبات نجاحه في التجارب الحيوانية لا يعني بالضرورة صلاحيته للاستخدام البشري. فهناك فرق بين إثبات قدرة اللقاح على تحفيز استجابة مناعية وحماية الحيوانات من سلالات مختلفة، وبين التأكد من أمانه وفعاليته لدى الإنسان.

ولهذا، تتمثل الخطوة المقبلة في إخضاع اللقاح للتجارب السريرية البشرية، التي ستتيح تقييم سلامته واستجابته المناعية وقدرته على توفير الحماية المطلوبة. ولا يمكن اعتبار النتائج الحيوانية بديلًا عن هذه المرحلة، إذ يظل إثبات السلامة والفعالية لدى البشر شرطًا أساسيًا قبل اعتماده للاستخدام.

ولا يتوقف طموح الباحثين عند إنفلونزا الطيور؛ إذ يتطلعون إلى توسيع إطار التصميم الجديد ليشمل لقاحات الإنفلونزا الموسمية وفيروسات أخرى سريعة التحور من فئة فيروسات الحمض النووي الريبي. وهو ما يفتح مجالًا جديدًا لتوظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير لقاحات أوسع نطاقًا، لكن الانتقال من التصميم والاختبارات الحيوانية إلى الاستخدام البشري يظل الاختبار الحاسم لإثبات نجاح هذه التقنية.