في عام 2019، شُخص البريطاني توني تشابمان، البالغ من العمر 75 عامًا، بسرطان الميلانوما، وهو أحد أنواع سرطان الجلد، وأُزيل الورم من صدره جراحيًا، لكن ظهور كتلة تحت ذراعه لاحقًا كشف عودة المرض، فأخبره الأطباء أنه يحتاج إلى عملية جراحية ثانية.
بعدها، قرر تشابمان المشاركة في تجربة سريرية تختبر لقاحًا جديدًا للحد من احتمال عودة السرطان، من دون أن يعرف ما إذا كان سيتلقى اللقاح التجريبي أم دواءً وهميًا، إذ رأى في المشاركة فرصة للإسهام في تقدم العلم، مع احتمال الاستفادة منها شخصيًا، وبعد 3 سنوات، ظل خاليًا من السرطان، وأصبح يخضع للفحوصات كل 6 أشهر.
وتكتسب تجربته أهمية في ضوء نتائج دراسة سريرية واسعة أظهرت أن لقاحًا يُصمم خصيصًا لكل مريض، ويُعطى إلى جانب علاج مناعي معروف، خفض خطر الوفاة أو عودة الميلانوما بنسبة 42%، كما قلل خطر انتشار المرض إلى أجزاء أخرى من الجسم بنسبة 38% خلال عامين، مقارنة بالعلاج المناعي وحده، وهي نتائج تعزز الآمال في تطوير علاجات شخصية للسرطان، لكنها تحتاج إلى متابعة أطول لتحديد أثرها الفعلي في إطالة أعمار المرضى.
لقاح يتعرف إلى بصمة الورم
شارك في التجربة 1137 بالغًا سبق أن خضعوا لجراحة لإزالة الأورام، وتلقى جميعهم عقار «كيترودا»، وهو علاج مناعي يساعد الجهاز المناعي على اكتشاف الخلايا السرطانية ومهاجمتها، فيما حصل نحو ثلثي المشاركين على اللقاح التجريبي «إنتيسميران»، وتلقى الباقون دواءً وهميًا إلى جانب العلاج نفسه.
ويعتمد اللقاح على تقنية الحمض النووي الريبي المرسال، المستخدمة أيضًا في بعض لقاحات كوفيد-19، لكنه يختلف عنها في تصميمه وفق الخصائص الخاصة بورم كل مريض، إذ تُحلل معلومات مستخلصة من الورم لتطوير لقاح يدرب الجهاز المناعي على التعرف إلى الخلايا السرطانية واستهدافها إذا عادت لاحقًا.
وتقوم الفكرة على توجيه الاستجابة المناعية بما يتناسب مع خصائص الورم نفسه، بدلًا من الاعتماد على تركيبة واحدة لجميع المرضى، وهو ما تراه البروفيسورة بيبا كوري، استشارية الأورام الطبية التي ساهمت في إدارة جزء من التجربة بمستشفى أدنبروك في كامبريدج، خطوة متقدمة في العلاج الشخصي، إذ تصفها بأنها «الخطوة التالية، وهو أمر مثير حقًا، إنها تقنية رائعة»، لكنها تؤكد أن التحدي يتمثل في إثبات القيمة العلاجية لهذه التقنية، بعدما قدمت التجربة أول دليل عملي على صلاحية الفكرة.
نتائج واعدة وأسئلة مفتوحة
رغم أهمية انخفاض خطر الوفاة أو عودة السرطان بنسبة 42%، فإن هذه النتيجة لا تعني أن اللقاح يمنع عودة المرض لدى جميع المرضى، كما أن تراجع خطر انتشار الميلانوما بنسبة 38% خلال عامين لا يكفي وحده لإثبات أن العلاج يطيل أعمار من يتلقونه.
ومن هذا المنطلق، وصف البروفيسور آلان ميلشر، من معهد أبحاث السرطان في لندن، النتائج بأنها «مثيرة للإعجاب للغاية»، مع التحذير من التوسع في الاستنتاجات قبل اكتمال الأدلة، موضحًا أن التجربة تمثل دليلًا مهمًا على صلاحية المبدأ، لكن نجاح النهج مع نوع واحد من السرطان لا يضمن فاعليته مع الأنواع الأخرى، كما أن المتابعة الطويلة ضرورية لفهم تأثير العلاج في فرص البقاء على قيد الحياة إجمالًا.
ولا تزال النتائج الكاملة بحاجة إلى إخضاعها لمراجعة الخبراء المستقلين، إذ لم تُنشر بعد في مجلة طبية محكمة، فيما تستمر متابعة المشاركين لرصد احتمال عودة المرض بمرور الوقت، وتقييم ما إذا كان اللقاح سيؤدي في نهاية المطاف إلى إطالة أعمارهم.
من سرطان الجلد إلى أنواع أخرى
يمتد الاهتمام بهذا النهج إلى ما وراء الميلانوما، إذ تعمل شركتا «إم إس دي» و«موديرنا»، المطورتان للعلاج، على اختباره ضد أنواع أخرى من السرطان، تشمل أورام الكلى والمثانة والرئة، غير أن النتائج التي تحققت في تجربة سرطان الجلد لا تكفي وحدها للحكم على فاعليته في هذه الحالات، إذ يحتاج كل نوع من الأورام إلى أدلة خاصة به.
وتظل التكلفة إحدى العقبات المحتملة أمام إتاحة اللقاح على نطاق واسع، خصوصًا أن علاجه يتطلب تحليلًا جينيًا لورم كل مريض، ثم تصنيع لقاح مخصص له، وهو ما قد يؤثر في فرص استخدامه داخل هيئة الخدمات الصحية البريطانية، حتى بعد الحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة.
وأشارت الشركتان إلى أنهما تتواصلان مع الجهات التنظيمية، في خطوة قد تمهد للتقدم بطلبات الترخيص اعتبارًا من العام المقبل، لكن إتاحة العلاج للمرضى ستظل مرتبطة بقدرته على إثبات فاعليته على المدى الطويل، إلى جانب تحديد تكلفته.
وفي حالة تشابمان، لا يزال من غير المعروف ما إذا كان قد تلقى اللقاح التجريبي أم الدواء الوهمي، ولذلك لا يمكن الجزم بأن خلوه من السرطان يرجع إلى العلاج الجديد، وتبقى نتائج المتابعة هي الفيصل في تحديد ما إذا كان هذا النهج الشخصي قادرًا على الحد من عودة المرض، وإطالة أعمار المرضى.




