تلتزم بنظامك الغذائي بدقة، وتواظب على التمارين الرياضية بانتظام، ومع ذلك يرفض مؤشر الميزان التزحزح.
هذه الحالة يعرفها الباحثون باسم "ثبات الوزن"، وهي محطة شائعة يمر بها كل من يسعى لخسارة الوزن تقريبًا، وفق مايو كلينك. وفهم ما يجري داخل الجسم خلالها هو الخطوة الأولى للتعامل معها من دون إحباط أو حميات عشوائية.
لماذا يحدث ثبات الوزن؟
في الأسابيع الأولى من الحمية يهبط الوزن سريعًا، لكن جزءًا كبيرًا من هذا الهبوط ماء وليس دهونًا؛ فمع خفض السعرات يلجأ الجسم إلى مخازن الجليكوجين، وهي كربوهيدرات مخزنة في الكبد والعضلات ومرتبطة بالماء، فيتحرر الماء مع استهلاكها. ومع استمرار نزول الوزن تٌفقد بعض العضلات إلى جانب الدهون، ولأن العضلات تسهم في الحفاظ على معدل حرق السعرات، يتباطأ الأيض تدريجيًا.
وحين تتساوى السعرات التي يحرقها جسمك مع ما تتناوله، تصل إلى نقطة التوازن، فيتوقف الميزان حتى لو بقيت على السعرات نفسها التي أنقصت وزنك سابقًا.
التكيف الأيضي: انخفاض متفاوت الحجم والمدة
يُقصد بـ"التكيف الأيضي، انخفاض معدل الأيض أثناء الراحة بمستوى يفوق ما تتنبأ به المعادلات استنادًا إلى تغير حجم الجسم وتركيبه بعد خسارة الوزن. وتتباين نتائج الدراسات في حجم هذا الانخفاض ومدة بقائه؛ ففي دراسة نُشرت في المجلة الأمريكية للتغذية الإكلينيكية (The American Journal of Clinical Nutrition) عام 2020، تابع الباحثون 71 شخصًا من ذوي السمنة خلال حمية منخفضة السعرات، ثم مرحلة تثبيت للوزن، في برنامج امتد عامًا كاملًا. وجدت الدراسة لدى هؤلاء المشاركين تكيفًا أيضيًا محدودًا (نحو 92 سعرًا حراريًا يوميًا في المتوسط) ، تراجع إلى النصف تقريبًا بعد أسابيع من تثبيت الوزن، ولم يظهر عند قياسه بعد عام، كما لم يرتبط وجوده باستعادة الوزن لديهم.
تبقى هذه الأرقام خاصة بعينة تلك الدراسة وبروتوكولها، لكنها توضح أن التكيف الأيضي يختلف في حجمه وديمومته من مرحلة لأخرى ومن شخص لآخر، وأنه ليس بالضرورة حكمًا مسبقًا باستعادة الوزن.
الماء وتذبذب قراءة الميزان
رقم الميزان لا يعكس الدهون وحدها. وتذكر كليفلاند كلينك أن من الطبيعي أن يتذبذب وزن الشخص، حتى وهو في نطاق صحي، ضمن حدود تقارب 5 إلى 6 أرطال يوميًا (نحو 2.3 إلى 2.7 كيلوغرام) صعودًا وهبوطًا. وهذا رقم تقريبي للاسترشاد، يختلف من شخص لآخر بحسب النظام الغذائي والنشاط البدني، وليس معيارًا طبيًا موحدًا ينطبق على الجميع.
والسبب الأكثر شيوعًا لهذا التذبذب قصير الأمد هو احتباس الماء؛ فبعد وجبة غنية بالكربوهيدرات أو الصوديوم قد يحتفظ الجسم بكمية أكبر من الماء مؤقتًا، فيرتفع الرقم قليلًا وتشعر ببعض الانتفاخ. كما تؤدي التغيرات الهرمونية وبعض الأدوية وبعض الحالات الطبية الدور نفسه. لذا لا تحكم على نجاح خطتك من قراءة يوم واحد، بل من اتجاه متوسطك الأسبوعي.
حالتان يكثر الخلط بينهما
تؤثر التحولات الهرمونية مباشرة في طريقة تعامل الجسم مع الطاقة وتخزين الدهون، وتبرز حالتان شائعتان لكل منهما ظروفها المختلفة:
انقطاع الطمث
تميل التغيرات الهرمونية المصاحبة لهذه المرحلة إلى إعادة توزيع الدهون لتتراكم حول البطن بدلًا من الوركين والفخذين، وفق مايو كلينك. ويقترن ذلك بفقدان طبيعي للكتلة العضلية مع التقدم في العمر يبطئ سرعة استهلاك الجسم للطاقة، فيصبح الحفاظ على الوزن أصعب إذا ظلت العادات الغذائية والحركية على حالها.
متلازمة تكيس المبايض
اضطراب هرموني شائع لدى النساء في سن الإنجاب، وتعد مقاومة الإنسولين من أبرز ملامحه لدى كثير من المصابات، وإن لم تكن قاعدة تشمل الجميع؛ فالتقديرات العلمية لانتشارها تتفاوت بحسب فئة المتلازمة ووزن المصابة. وعندما تقل استجابة الخلايا للإنسولين يفرز الجسم مزيدًا منه لتعويض ذلك، فيرتفع مستواه في الدم، وهو ما يرتبط بزيادة تخزين الدهون وصعوبة أكبر في خسارة الوزن. لذا تبقى المتابعة الطبية والتغذوية المتخصصة جزءًا أساسيًا من التعامل مع هذه الحالة.
كيف تتعامل مع ثبات الوزن؟
أعد تقييم عاداتك
راجع سجلات طعامك ونشاطك، وتأكد من أنك لم تخفف القواعد دون أن تشعر: حصص أكبر، أطعمة معالجة أكثر، أو تمارين أقل. فالأبحاث تربط هذا التراخي المتقطع في الالتزام بحالات ثبات الوزن.
عدّل سعراتك بواقعية وحذر
قد يستلزم تجاوز الثبات خفضًا إضافيًا مدروسًا في السٌعرات اليومية. وتشير إرشادات مايو كلينك العامة إلى تجنب النزول عن 1200 سٌعر يوميًا، لأن ما دون ذلك قد لا يقيك الجوع المستمر ويرفع خطر الإفراط في الأكل. لكن هذا الحد ليس رقمًا صالحًا للجميع؛ فإرشادات هارفارد الصحية توصي ألا تقل الحصة عن 1200 سٌعر للنساء و1500 سٌعر للرجال إلا تحت إشراف مهني، لأن الاحتياج الفعلي يختلف بحسب الجنس والحجم ومستوى النشاط. وتذكّر أيضًا أن وجود تكيف أيضي لا يعني بالضرورة أن الحل هو خفض السٌعرات أكثر فأكثر؛ فزيادة الحركة وبناء العضلات تكون أحيانًا أنسب وأكثر استدامة.
ارفع مستوى نشاطك الرياضي
توصي الإرشادات بما لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعيًا من التمارين متوسطة الشدة، أو 75 دقيقة من التمارين عالية الشدة، أو مزيج منهما، موزعة على أيام الأسبوع. ولتحقيق فائدة أكبر في خسارة الوزن أو تثبيته بعد فقدانه، يوصى ببلوغ 300 دقيقة أسبوعيًا.
زد حركتك خارج الصالة
فكّر أبعد من الجيم: امشِ أكثر، وقلل استخدام السيارة، وأضف أنشطة يومية تتطلب حركة. كل نشاط بدني إضافي يسهم في حرق السعرات.
متى تراجع الطبيب؟
ثبات الوزن في معظم الحالات امتداد طبيعي لرحلة خسارة الوزن، أو نتيجة تراخٍ خفي في العادات، وليس دليلًا بذاته على مرض. لكن إذا استمر الجمود رغم التزام صارم موثق بالغذاء والحركة، أو ترافق مع أعراض عامة غير مبررة، يصبح من المستحسن مراجعة الطبيب لبحث أسباب محتملة، ومنها اضطرابات الغدد الصماء.
ويبرز قصور الغدة الدرقية ضمن الحالات التي تبطئ عمليات الأيض وتعيق خسارة الوزن؛ وتشمل مؤشراته السريرية، بحسب مايو كلينك: الإرهاق المستمر، والحساسية غير المعتادة للبرودة، والإمساك، وجفاف الجلد، وانتفاخ ملامح الوجه، بالإضافة إلى وهن العضلات وتساقط الشعر. ويُشخَّص بتحليل دم، ثم يحدد الطبيب بعد التقييم ما إذا كانت الحالة تستدعي علاجًا وكيفيته.
وسواء كان السبب تباطؤ الأيض، أو ماءً محبوسًا، أو هرمونات متغيرة، فإن ثبات الوزن محطة في الطريق لا نهايته. والتعامل الآمن معه يبدأ بمراجعة هادئة للعادات، وتعديل واقعي للسعرات والنشاط، واستشارة الطبيب أو أخصائي التغذية عند الحاجة، بدلًا من الحميات العشوائية أو اليأس.




