لا تقتصر أسرار الجينات المرتبطة بالتوحد على الجينات نفسها، بل قد توجد بعض الإجابات في أجزاء صغيرة من الحمض النووي، وفي التسلسلات المحيطة بها، التي لم تحظ بالقدر نفسه من الاهتمام في الأبحاث السابقة.

هذا ما تسلط عليه الضوء دراسة علمية جديدة نُشرت في مجلة Nature، وتتناول مقاطع جينية تُعرف باسم "الميكروإكسونات" (Microexons)، وهي أجزاء قصيرة للغاية تؤدي دورًا في الطريقة التي تستخدم بها الخلايا التعليمات الجينية لإنتاج البروتينات.

ويأمل الباحثون أن يساعد فهم هذه المقاطع وما يحيط بها في تفسير بعض الاختلافات الجينية المرتبطة بالتوحد، ولا سيما الحالات التي لم تكشف التحليلات الجينية التقليدية عن تفسير واضح لها. لكن الدراسة لا تقدم اختبارًا جديدًا لتشخيص التوحد، ولا تثبت أن هذه المقاطع تفسر جميع الحالات؛ بل تفتح مسارًا جديدًا لفهم جانب من جوانب التعقيد الجيني للاضطراب.

الميكروإكسونات.. مقاطع صغيرة بأدوار مهمة

لفهم أهمية الاكتشاف، لا بد من العودة إلى الطريقة التي تستخدم بها الخلايا المعلومات الموجودة في الحمض النووي. يمكن تشبيه الجين بكتاب يحتوي على تعليمات لصنع بروتين معين. وعندما تحتاج الخلية إلى استخدام هذه التعليمات، فإنها تنسخها أولًا إلى جزيء يُسمى الحمض النووي الريبي (RNA)، ثم تعالج النسخة وتختار الأجزاء التي ستُستخدم في إنتاج البروتين.

وتُعرف عملية اختيار أجزاء النسخة الجينية وتجميعها باسم "التضفير البديل". وهي تتيح للجين الواحد إنتاج نسخ مختلفة من الرسائل الجينية، بما يساعد الخلايا على أداء وظائف متنوعة. أما الميكروإكسونات، فهي مقاطع قصيرة جدًا يمكن إدراجها في هذه الرسائل أو استبعادها. وعلى الرغم من صغر حجمها، فإنها قد تؤثر في خصائص البروتين الناتج، بما في ذلك البروتينات التي تحتاج إليها الخلايا العصبية للتواصل والعمل بصورة طبيعية.

وقد أظهرت أبحاث سابقة أن تنظيم بعض الميكروإكسونات يختلف في أدمغة أشخاص مصابين بالتوحد. وتأتي الدراسة الجديدة لتبحث في سؤال إضافي: هل يمكن أن تساعدنا معرفة التسلسلات المحيطة بهذه المقاطع على اكتشاف اختلافات جينية لم نتمكن من تفسيرها سابقًا؟

كيف استخدم الباحثون الذكاء الاصطناعي؟

اعتمد الفريق على تحليل كميات ضخمة من بيانات الحمض النووي الريبي، واستخدم أداة حاسوبية لاكتشاف الميكروإكسونات، ثم طوّر نموذجًا للتعلم الآلي لدراسة التسلسلات الجينية المحيطة بها. وتكمن أهمية هذه التسلسلات في أنها قد تعمل مثل إشارات تنظيمية تساعد الخلية على تحديد الأجزاء التي ينبغي إدراجها في الرسالة الجينية. وقد تؤدي طفرة في إحدى هذه الإشارات إلى تغيير طريقة معالجة الرسالة، حتى لو لم تقع الطفرة داخل الميكروإكسون نفسه.

وبعد تدريب النموذج، استخدمه الباحثون لدراسة بيانات التسلسل الجيني لأشخاص مصابين بالتوحد وأفراد من عائلاتهم. وتوصلوا إلى متغيرات جينية نادرة تنبأ النموذج بأنها قد تؤثر في تنظيم بعض الميكروإكسونات المرتبطة بالدماغ. ويعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي لم يكتشف "جين التوحد"، بل ساعد على فحص منطقة أكثر دقة من الجينوم، وربط اختلافات جينية محتملة بطريقة معالجة الخلايا للمعلومات الوراثية.

لا تزال الإجابة محدودة. فالتوحد حالة نمائية عصبية معقدة، وترتبط بعوامل جينية متعددة، ولا يمكن اختزالها في طفرة واحدة أو مسار بيولوجي واحد. وتقدم الدراسة دليلًا على أن المناطق المحيطة بالميكروإكسونات تستحق مزيدًا من البحث، لكنها لا تثبت أن كل متغير حدده النموذج يؤدي إلى التوحد. كما أن التنبؤ بتأثير طفرة في عملية التضفير لا يكفي وحده لإثبات أنها تُحدث تغييرًا وظيفيًا في الدماغ أو أنها مسؤولة عن سمات الاضطراب.

ويحتاج الباحثون إلى دراسات وتجارب إضافية لتحديد أثر هذه المتغيرات، ومعرفة مدى إسهامها في الحالات الفردية، وما إذا كان يمكن الاستفادة منها مستقبلًا في تحسين تفسير نتائج الفحوص الجينية.

ماذا يعني الاكتشاف لمستقبل الأبحاث؟

قد يساعد هذا المسار البحثي على تفسير بعض الحالات التي لا تكشف الفحوص الجينية الحالية عن سبب واضح لها. كما قد يطور قدرة العلماء على التمييز بين الاختلافات الجينية التي لا يبدو أن لها أثرًا مهمًا، وتلك التي قد تؤثر في تنظيم الجينات ووظائف الخلايا العصبية.

لكن الانتقال من هذه النتائج إلى تطبيق طبي يحتاج إلى وقت وأدلة إضافية. فلا تقدم الدراسة اختبارًا تشخيصيًا جاهزًا، ولا تثبت وجود علاج جديد للتوحد. وتبقى أهميتها في أنها توسع نطاق البحث عن العوامل الجينية المرتبطة بالتوحد، من التركيز على الجينات المعروفة إلى دراسة التفاصيل الدقيقة التي تتحكم في طريقة عملها.