لم تعد الشاشات مجرد وسيلة للترفيه أو التواصل، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من حياة المراهقين؛ من الدراسة والألعاب إلى وسائل التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو. ومع اتساع حضورها، تتجه الأبحاث إلى فهم ما يتركه الاستخدام الرقمي في الدماغ خلال مرحلة تتسم بالنمو السريع، وما إذا كانت آثاره تختلف باختلاف مدة الاستخدام ومحتواه وطريقة التفاعل معه.

وبحسب طبيب الأطفال مايكل ريتش، مدير مركز الإعلام وصحة الطفل في مستشفى بوسطن للأطفال والأستاذ المشارك في كلية الطب بجامعة هارفارد، فإن التركيز على مدة استخدام الشاشة وحدها قد لا يقدم الصورة الكاملة؛ فالأهم هو كيفية استخدامها وما يحدث في الدماغ استجابة لذلك.

ويوضح ريتش أن الدماغ النامي يستمر في بناء روابط عصبية جديدة والتخلص من الروابط الأقل استخدامًا، وأن التجارب الرقمية تدخل ضمن البيئة التي يتطور فيها هذا الدماغ. لكنه يشير إلى أن كثيرًا مما تقدمه الشاشات يوفر تحفيزًا محدودًا مقارنة بالتجارب الواقعية، مؤكدًا أهمية تعرض الأطفال والمراهقين لتجارب متنوعة، بما فيها اللعب والتفاعل الاجتماعي والوقت الذي يتيح للخيال العمل.

تفاوت تأثير الشاشات على الأطفال

لم تؤكد جميع الأبحاث العلمية أن الشاشات تضر بالدماغ لمجرد استخدامها، فبحسب مراجعة علمية نشرتها مجلة BMJ الطبية البريطانية، وشملت عددًا من المراجعات المنهجية حول تأثير وقت الشاشة على صحة الأطفال والمراهقين، كانت الأدلة متفاوتة بشأن تأثيره في الصحة النفسية والتطور المعرفي؛ وكانت الأدلة أقوى في بعض الارتباطات، مثل السمنة وأعراض الاكتئاب، بينما كانت أضعف في مجالات أخرى مثل القلق والمشكلات السلوكية والتطور المعرفي.

وتشير المراجعة إلى أن تحديد حد زمني واحد يصلح لجميع الأطفال قد يكون صعبًا، لأن تأثير الشاشة يعتمد على عوامل متعددة، من بينها نوع المحتوى وطريقة الاستخدام وما الذي يحل وقت الشاشة محله.

وتدعم هذه الفكرة دراسة حديثة نشرتها JAMA Pediatrics عام 2025، حللت بيانات 100 دراسة وأكثر من 176 ألف مشارك. ووجد الباحثون أن نوع المحتوى، وملاءمته للعمر، والمشاهدة المشتركة مع الوالدين، وطريقة استخدام الشاشة، عوامل ترتبط بالنتائج المعرفية والاجتماعية. كما ارتبطت المشاهدة المشتركة مع مقدمي الرعاية بنتائج معرفية أفضل لدى الأطفال في مراحل النمو المبكرة.

الشاشة.. هل أصبحت منافسًا للنوم؟

أحد أكثر المجالات التي تحظى باهتمام الباحثين هو النوم. ووفقًا لبيان توافقي أصدرته مؤسسة النوم الوطنية عام 2024، اتفق خبراء على أن استخدام الشاشات يمكن أن يؤثر في صحة النوم لدى الأطفال والمراهقين، وأن محتوى الشاشة قبل النوم قد يؤدي دورًا في التأثير على النوم.

أما الضوء المنبعث من الأجهزة، فقد يكون جزءًا من المشكلة، إذ يرتبط الضوء قصير الموجة بآليات تنظيم الساعة البيولوجية وإفراز الميلاتونين. لكن الصورة العلمية ليست محسومة بالكامل؛ إذ وجدت مراجعة بحثت في تأثير تقليل التعرض للضوء الأزرق قبل النوم نتائج متباينة، ما يشير إلى أن تأثير الشاشات على النوم لا يمكن اختزاله في الضوء وحده.

ويرى ريتش أن المشكلة الأوسع تتمثل في أن استخدام الهاتف ليلًا قد لا يعني مجرد التعرض للضوء، بل قد يعني أيضًا تأخير وقت النوم والانشغال المستمر بالمحتوى والرسائل والألعاب.

تأثير الشاشات على التعلم واللغة

لا يرتبط تأثير الشاشة بما يظهر عليها فقط، بل أيضًا بما قد تستبدله من أنشطة. فالساعات التي يقضيها الطفل أو المراهق أمام الجهاز قد تأتي أحيانًا على حساب القراءة، أو المحادثة مع الأسرة، أو اللعب، أو التفاعل المباشر مع الآخرين.

ووفقًا لمراجعة منهجية وتحليل نُشرا في JAMA Pediatrics وشملا 42 دراسة وأكثر من 18 ألف مشارك، ارتبطت زيادة كمية استخدام الشاشة بانخفاض مهارات اللغة لدى الأطفال، بينما ارتبطت البرامج التعليمية والمشاهدة المشتركة مع مقدمي الرعاية بنتائج لغوية أفضل.

وتوضح هذه النتائج أن الشاشة ليست عاملًا واحدًا ثابتًا؛ فمشاهدة محتوى تعليمي مع أحد الوالدين ليست بالضرورة التجربة نفسها التي يعيشها طفل يتنقل لساعات بين مقاطع قصيرة دون تفاعل أو هدف واضح.

هل تغيّر الشاشة الدماغ فعلًا؟

تنتشر عبارة أن الشاشات "تغير الدماغ"، لكن الأدلة العلمية أكثر تعقيدًا من ذلك. فبحسب مراجعة حديثة تناولت تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في التطور المعرفي للأطفال والشباب، ظهرت ارتباطات بين الاستخدام المفرط أو الإشكالي لوسائل التواصل وبعض جوانب الوظائف التنفيذية والانتباه والذاكرة العاملة، خصوصًا لدى بعض المراهقين الذين يعانون من استخدام إشكالي لهذه المنصات.

لكن الباحثين يحذرون من تحويل هذه الارتباطات إلى علاقة سببية مباشرة. فالمراهق الذي يعاني أصلًا من القلق أو الوحدة أو الاكتئاب قد يلجأ إلى الهاتف ووسائل التواصل لفترات أطول، وبالتالي قد يكون اتجاه العلاقة متبادلًا، وليس بالضرورة أن تكون الشاشة هي السبب الوحيد. ويؤكد طبيب الأطفال مايكل ريتش هذه النظرة المتوازنة، داعيًا إلى عدم التعامل مع استخدام الهواتف باعتباره خطرًا في حد ذاته، بل إلى التساؤل عما يحدث للمراهق معرفيًا واجتماعيًا وعاطفيًا أثناء استخدامه لها.

وهناك جانب آخر يتعلق بتصميم بعض المنصات والألعاب نفسها. وبحسب ريتش، فإن الألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي تعتمد بدرجات مختلفة على ما يُعرف بنظام "المكافأة المتغيرة"؛ أي تقديم مكافآت أو محفزات بصورة غير متوقعة، بما يشجع المستخدم على الاستمرار في التفاعل. ويشير ريتش إلى أن المراهقين لا يمتلكون بعد نظام ضبط ذاتي مكتمل النضج، وهو ما قد يجعل مقاومة بعض الأنماط الجذابة من الاستخدام أكثر صعوبة.

لكن هذا لا يعني أن كل استخدام للألعاب أو وسائل التواصل يتحول إلى سلوك قهري؛ فمركز اضطرابات الوسائط التفاعلية والإنترنت في مستشفى بوسطن للأطفال يعالج حالات محددة يصبح فيها استخدام الألعاب أو وسائل التواصل والأنشطة الرقمية مؤثرًا في صحة الشاب وحياته اليومية في المنزل أو المدرسة.

وتشير الأدلة مجتمعة إلى أن السؤال الأهم ربما لا يكون: هل الشاشة جيدة أم سيئة؟ بل: ماذا يفعل المراهق أمامها، وماذا يخسر في المقابل؟ فوفقًا للباحثين الذين درسوا تأثيرات الوسائط الرقمية، يمكن للشاشات أن توفر فرصًا للتعلم والتواصل والترفيه، لكنها قد تصبح أكثر إشكالية عندما تزاحم النوم أو النشاط البدني أو التفاعل الاجتماعي المباشر.

ولهذا يدعو ريتش إلى اتباع نهج متوازن، مثل الحفاظ على الوجبات العائلية بعيدًا عن الأجهزة، ووضع الهاتف جانبًا أثناء الحديث مع الآخرين، وتجنب استخدام الشاشات قبل النوم، ومشاركة الأطفال ألعابهم الرقمية بدل الاكتفاء بمنعها.