يبدأ يوم كثيرين بكوب من حليب الشوفان، ويمر بشطيرة من البرجر النباتي، وينتهي بقطع من الدجاج البديل على مائدة العشاء، في نظام غذائي اختاره ملايين الأشخاص حول العالم بحثًا عن صحة أفضل واستدامة أكبر. غير أن دراسة علمية حديثة تضع أمام هؤلاء المستهلكين حقيقة لم تكن في الحسبان، فكل منتج يتناولونه تقريبًا يحمل سمومًا كيميائية غير مرئية بالعين المجردة.
فحص باحثون من جامعة بارما الإيطالية بالتعاون مع جامعة كرانفيلد البريطانية 212 منتجًا نباتيًا معروضًا في الأسواق البريطانية، لتأتي النتيجة شبه إجماعية، إذ احتوت جميع العينات المفحوصة على سموم فطرية طبيعية تُعرف باسم الميكوتوكسينات.
ورصد الفريق البحثي 19 نوعًا مختلفًا من هذه السموم موزعة بين برجر نباتي، وسجق، وقطع دجاج بديلة، ومشروبات من الشوفان واللوز وفول الصويا، وحملت بعض المنتجات أكثر من نوع واحد منها في آن معًا، لتكشف الأرقام أن الأمر لا يتعلق بمنتج واحد معيب، وإنما بظاهرة تشمل الفئة الغذائية كاملة، وهو ما يجعل النتائج جديرة باهتمام كل من يعتمد على هذه المنتجات كبديل دائم للحوم والألبان التقليدية.
هذا الاتساع في نطاق التلوث يقود بدوره إلى تساؤل أعمق حول منبعه الحقيقي، فمن أين تأتي هذه السموم أصلًا؟
جذور المشكلة في المواد الخام
تنمو الميكوتوكسينات بشكل طبيعي على الحبوب والبقوليات والبذور، وهذه المكونات الأساسية في الصناعات النباتية تتعرض للعفن في أثناء الزراعة أو الحصاد أو التخزين، لذا تحمل المنتجات النهائية أثرًا لهذا التلوث حتى مع اتباع معايير تصنيع صارمة.
ومع ذلك، أظهرت النتائج أن مستويات الميكوتوكسينات في المنتجات البريطانية بقيت ضمن الحدود التي تسمح بها الإرشادات الأوروبية، فيما يعكس جودة الرقابة المطبقة في الصناعة الغذائية البريطانية، غير أن هذه الأرقام المطمئنة على المدى القصير لا تُغلق الملف بالكامل.
فما الذي يبقي الملف مفتوحًا إذن، إن كانت المستويات الحالية آمنة؟
تراكم يثير القلق
حذرت دراسات سابقة من أن التعرض المتكرر حتى لجرعات منخفضة من هذه السموم يرفع مستوى التعرض التراكمي مع الوقت، فتناول منتج نباتي واحد بمفرده لا يشكل خطرًا يذكر، لكن نظامًا غذائيًا يعتمد بالكامل على الأطعمة النباتية قد يفتح الباب أمام تراكم غير محسوب إذا لم تتم إدارته بعناية، وقد يرتبط هذا التعرض في الحالات القصوى بأضرار في الكبد والكلى، وضعف في جهاز المناعة، وحتى الإصابة بالسرطان.
وتوفر بيانات هذه الدراسة أساسًا علميًا لتقييم التعرض الغذائي، وبناء تقييمات مخاطر أكثر دقة في المملكة المتحدة.
وأمام هذا التراكم الصامت، يصبح رأي المتخصصين أنفسهم ضروريًا لوضع الخطر في حجمه الطبيعي.
دعوات لتوسيع الرقابة
قال أندريا باتريركا، المحاضر الأول في علم الفطريات بجامعة كرانفيلد، إن الميكوتوكسينات موجودة بشكل طبيعي في الأطعمة ولا يمكن تجنبها كليًا، مضيفًا أن المستهلكين لا ينبغي أن يشعروا بالخوف أو الردع عن الاستمتاع بتنوع هذه المنتجات. لكنه أشار إلى قلق حقيقي يظهر مع دخول أطعمة جديدة إلى السوق دون وجود لوائح راسخة لمراقبة الميكوتوكسينات فيها، موضحًا أن فريقه يتعاون مع قطاعات متعددة في الصناعة الغذائية، من المزارعين إلى الشركات، لتطبيق إدارة فعالة لهذه السموم ضمن معايير السلامة الغذائية.
وأكد باتريركا أن بيانات بحثهم تساعد جهات السلامة الغذائية في تقييم المخاطر خصوصًا في المنتجات متعددة المكونات المعقدة، كاشفًا عن تعاون جارٍ مع جامعة بارما لتقييم المخاطر التي تواجهها الفئات السكانية المختلفة بناءً على عاداتهم الغذائية، على أن يكون الهدف كما قال «تقديم المشورة لصانعي السياسات، وتوعية المستهلكين الأكثر عرضة للخطر».








