كشفت دراسة حديثة قادتها جامعة كلية لندن عن أن سنوات طويلة من المشاكل المالية المستمرة والفقر المزمن تترك آثاراً قياسية وملموسة على الأداء الإدراكي للإنسان بحلول منتصف العمر، وتمتد لتسبب تدهوراً في صحة الدماغ بعد عقود.
وأوضحت الدراسة، التي نُشرت في مجلة "Innovation in Aging"، أن الضائقة المالية لا ينبغي التعامل معها كحدث عارض أو مؤقت، بل كعامل خطورة تراكمي يهدد اللياقة الذهنية والقدرات العقلية على المدى الطويل.
بيانات 80 عامًا ترصد تراكم المعاناة
واعتمد الباحثون في دراستهم على تحليل بيانات امتدت لعقود وشملت 2,759 بالغاً بريطانياً مشاركاً في دراسة المجلس الطبي للبحوث المسحية الوطنية للصحة والتنمية (المعروفة بدراسة المواليد البريطانيين لعام 1946)، وهي أطول دراسة تتبع للمواليد مستمرة في العالم، والذين احتفلوا بعيد ميلادهم الثمانين هذا العام.
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين واجهوا صعوبات مالية متواصلة أو ظلوا في فئات الدخل المنخفض خلال مرحلتي الشباب ومنتصف العمر، سجلوا درجات أقل بشكل ملحوظ في الاختبارات الإدراكية عند سن الـ53، مقارنة بنظرائهم الذين لم يعانوا من ضغوط مالية مزمنة.
ولم تتوقف الآثار عند حدود الاختبارات السلوكية؛ إذ كشفت الفحوصات بالأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي للمشاركين بين سن الـ29 والـ 71 عن تراجع واضح في صحة الدماغ، شمل زيادة في ضمور كتلته وتوسع البطينات الدماغية الممتلئة بالسائل.
وأكد الدكتور جاك ويلز، الباحث الرئيسي في جامعة كلية لندن، أن معظم الدراسات السابقة كانت تركز على الضائقة المالية في نقطة زمنية واحدة، بينما أثبتت هذه البيانات الطولية أن تراكم المعاناة على مدى عقود هو ما يرتبط بأسوأ النتائج الإدراكية، حتى بعد تحييد العوامل الأخرى مثل القدرات الإدراكية في الطفولة، والمستوى التعليمي، والظروف المعيشية المبكرة.
تأثيرات أشد على الرجال
وأبرزت الدراسة أن العلاقة بين الضائقة المالية المتواصلة وتدهور صحة الدماغ كانت أكثر قوة بين الرجال، والمشاركين الذين عاشوا طفولة قاسية، إضافة إلى الحاملين للمتغير الجيني APOE-ε4 المرتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض ألزهايمر.
وأرجع الباحثون التأثير الأشد على الرجال، الذين وُلدوا عام 1946، إلى انتشارات أعلى لسلوكيات غير صحية مثل التدخين بين ذوي الدخل المنخفض، إلى جانب الضغوط النفسية الهائلة الناتجة عن الدور التقليدي للرجل في ذلك الجيل كمعيل رئيسي للأسرة.
وفسر العلماء هذه الظاهرة عبر عدة مسارات بيولوجية ونفسية، في مقدمتها الالتهابات المزمنة التي يسببها الإجهاد والتوتر القائم على الخوف المستمر من تأمين المصاريف وتدبر الفواتير؛ حيث يستهلك هذا التوتر حمولة إدراكية ضخمة تلتهم الموارد الذهنية للعقل.
وتوقعت الأستاذة برافيثا باتالاي، الباحثة المشاركة في الدراسة، أن دعم الأفراد الذين يواجهون صعوبات مالية والحد من الفقر المزمن قد يشكلان استراتيجية وقائية فعالة للحد من حالات التدهور المعرفي والخرف في المستقبل، مؤكدة أن حماية الاستقرار المالي قد تكون خط الدفاع الأول لحماية صحة العقل.














