تشير دراسات حديثة في علم النفس والصحة إلى أن مشاهدة شروق الشمس وغروبها قد لا تكون مجرد تجربة بصرية عابرة، بل عاملًا يرتبط بعدد من التأثيرات على المزاج والذاكرة والنوم والسلوك الاجتماعي.
ويعتمد جزء من هذه التأثيرات على ما يعرف في الأبحاث النفسية بـ"الرهبة"، وهو شعور يظهر عند مواجهة مشاهد واسعة أو مهيبة تتجاوز الإدراك المعتاد، مثل الطبيعة أو الظواهر البصرية الكبيرة، وتقول ميشيل شيوتا، أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة ولاية أريزونا، إن هذا الشعور يرتبط بإدراك الإنسان لصِغره أمام المشهد الأكبر، ما ينعكس على تقليل التركيز المفرط على المشكلات الشخصية.
وأضافت: "من أكثر آثار الرهبة وضوحًا شعور الإنسان بحجمه الصغير بالنسبة للكون، وأن مشكلاته الشخصية تصبح أقل أهمية في الصورة الكبيرة"، وتشير أبحاث أخرى إلى أن هذا التحول في الإدراك قد ينعكس على السلوك، من خلال تعزيز الميل إلى التعاون وزيادة الشعور بالهدف، بحسب هيئة الإذاعة البريطانية "BBC".
الغروب يعزز الذاكرة ويقلل التوتر
وبحسب دراسات، فإن الطبيعة تمثل المصدر الأكثر شيوعًا لتجارب الإحساس بالرهبة مقارنةً بالفن أو الموسيقى أو غيرها من التجارب، وتؤكد الباحثة جينيفر ستيلار من جامعة تورونتو أن الغروب تحديدًا يعد مثالًا واضحًا لهذا التأثير، لكونه يجمع بين الجمال الواسع وغير المعتاد، مضيفة: "الغروب جميل بشكل استثنائي، والجمال يميل إلى إثارة الإعجاب".
وفي جانب آخر، تشير تجارب علمية إلى أن التعرض لمشاهد مثيرة للإعجاب قد يحسن القدرة على تذكر المعلومات، ففي إحدى الدراسات، طُلب من مشاركين مشاهدة مواد بصرية مختلفة، وظهر أن من شاهدوا محتوى يثير الإحساس بالرهبة احتفظوا بتفاصيل أكثر دقة مقارنةً بغيرهم.
ويُرجح الباحثون أن هذا التأثير يعود إلى زيادة التركيز وتقليل التشتت في أثناء التعرض لتلك المشاهد، رغم أن الآلية العصبية الدقيقة لا تزال غير محسومة بالكامل، كما رُصدت علاقة بين هذه المشاعر وانخفاض مستويات التوتر على المدى الطويل، فقد أظهرت دراسات خلال فترات مثل جائحة كوفيد-19 أن الأشخاص الذين اختبروا مشاعر الإعجاب بشكل متكرر سجلوا مستويات أقل من التوتر الحاد والمزمن.
وفي دراسة أخرى شملت كبار السن، طُلب من المشاركين البحث عن لحظات صغيرة من الدهشة خلال نزهاتهم الأسبوعية، مثل مشاهد طبيعية أو تفاصيل بسيطة في البيئة المحيطة، وبعد أسابيع، أظهرت النتائج أنهم أصبحوا أكثر انتباهًا ووصفًا لما يرونه مقارنة بمجموعة لم تتبع التوجيه نفسه، مع تحسن في الحالة المزاجية وزيادة في السلوك الإيجابي.
وتشير ستيلار إلى أن التعرض للطبيعة، خاصةً في لحظات الغروب، يمكن أن يمثل ما يشبه "جرعة يومية" من هذا التأثير النفسي الإيجابي.
"مشاعر الرهبة".. تُحسن المناعة وتنظم النوم
وفي سياق صحي آخر، تربط بعض الأبحاث بين هذه التجارب وبين مؤشرات بيولوجية مثل انخفاض الالتهابات في الجسم، وهي عوامل ترتبط بدورها بمخاطر أمراض مزمنة مثل السكري وأمراض القلب والاكتئاب، ورغم أن الأسباب الدقيقة ما تزال قيد الدراسة، إلا أن الباحثين يرجحون أن انخفاض التوتر وتعزيز الشعور بالاتصال الاجتماعي قد يلعبان دورًا في ذلك.
كما أظهرت تجارب أن الأشخاص الذين يشعرون بالرهبة يميلون إلى سلوكيات أكثر تعاونًا ومساعدة للآخرين، مثل المشاركة في أعمال بسيطة كالمساعدة في مواقف عابرة، مقارنةً بمن لم يتعرضوا لمثيرات مشابهة.
وعلى مستوى النوم، ترتبط هذه التأثيرات بالإيقاع اليومي للجسم، فالتعرض للضوء الطبيعي من شروق الشمس حتى غروبها يساعد في تنظيم الساعة البيولوجية المسؤولة عن دورة النوم والاستيقاظ، ويؤدي ضوء الصباح إلى تنشيط الجسم عبر رفع مستويات الكورتيزول والسيروتونين، بينما يرسل ضوء الغروب إشارات تدريجية للجسم لبدء الاستعداد للراحة.
في المقابل، تشير دراسات إلى أن التعرض للضوء الصناعي في المساء، خاصةً ضوء الشاشات، قد يخل بهذا التوازن الطبيعي ويؤثر على جودة النوم، وتوضح أستاذة أبحاث الضوء والصحة ماريانا فيغيرو أن اضطراب الإيقاع اليومي يرتبط بزيادة مخاطر القلق والاكتئاب، مشيرةً إلى أن الجسم "مُصمم لرؤية شروق الشمس وغروبها كأنهما نهايات لكتاب".
ورغم أن مشاهدة الغروب قد تبدو تجربة بسيطة، إلا أن الدراسات تشير إلى أنها قد ترتبط بتأثيرات أوسع تمتد من الحالة النفسية إلى التركيز والسلوك وجودة النوم، وفقًا لـ"BBC".













