يربط كثيرون بين المضغ الجيد وتحسين عملية الهضم فقط، لكن الأبحاث الطبية الحديثة بدأت تكشف عن أبعاد أعمق لهذه العادة اليومية؛ إذ تشير دراسات إلى أن المضغ لا يساعد الجسم على التعامل مع الطعام فحسب، بل قد يسهم أيضًا في دعم وظائف الدماغ وتحسين الذاكرة والانتباه وتقليل مخاطر التدهور المعرفي المرتبط بالتقدم في العمر.
ووفقا للخبير الغذائي الأمريكي العصامي هوراس فليتشر، الذي عاش في أوائل القرن العشرين، واشتهر بلقب "الماضغ الأكبر" بعدما مضغ ذات مرة بصلة صغيرة من نوع "شالوت" 722 مرة قبل ابتلاعها.
كان فليتشر يؤمن بأن الطعام يجب أن يمضغ حتى يتحول تمامًا إلى سائل، ويصبح قابلاً للبلع من تلقاء نفسه، بل ذهب إلى تقدير أن هذا السلوك القائم على المضغ المكثف كان يمكن أن يوفر أكثر من نصف مليون دولار يوميًا على الاقتصاد الأمريكي في ذلك الوقت، أي ما يعادل نحو 19.5 مليون دولار بأسعار اليوم، إذا قل استهلاك الشخص العادي للطعام بمقدار نصف رطل يوميًا.
تغير عادات الطعام
من الناحية التاريخية والتطورية، يوضح عالم الكيمياء الحيوية آدم فان كاستيرين، من معهد ماكس بلانك في ألمانيا، أن البشر مثل معظم الحيوانات امتلكوا أسنانًا وفكوكًا لملايين السنين، لكنها خضعت لتغيرات بيولوجية عديدة طوال عصور ما قبل التاريخ استجابة لطبيعة الغذاء المتاح.
ووفقا لـ"كاستيرين" فقد عاش أشباه البشر الأوائل قبل نحو ستة إلى سبعة ملايين سنة بأسنان تشبه أسنان القردة الحالية، تساعدهم على تناول الفواكه الكبيرة واللحمية التي كانت وفيرة في الغابات المطيرة، لكن مع تراجع تلك الغابات وظهور البيئات المفتوحة والسافانا، اضطر أسلاف الإنسان إلى التعامل مع أطعمة أصلب وأكثر صعوبة من الناحية الميكانيكية مثل البذور والمكسرات والدرنات.
ومع هذا التحول، تطورت الأضراس والفكوك والوجوه لتصبح أكبر حجمًا، بما يسمح باستيعاب الأسنان الكبيرة والعضلات القوية اللازمة لتحريكها. ثم جاءت الأدوات ومعالجة الطعام، والزراعة، واستخدام النار في الطهي، لتقل تدريجيًا حاجة الإنسان إلى فترات طويلة من المضغ.
واليوم، يقضي الإنسان المعاصر نحو 35 دقيقة فقط يوميًا في المضغ، مقارنة بنحو 4.5 ساعة لدى أقرب أقربائنا من الشمبانزي والبونوبو، و6.6 ساعة لدى الغوريلا وإنسان الغاب. ومع ذلك، ظل الهدف الأساسي للمضغ ثابتًا؛ وهو مساعدة الثدييات على استخلاص أكبر قدر ممكن من الطاقة من الغذاء، لتغذية عملية التمثيل الغذائي لدى ذوات الدم الحار.
المضغ الجيد.. الخطوة الأولى في الهضم
على المستوى الفيزيولوجي، يمثل المضغ المرحلة الأولى والأساسية في عملية الهضم؛ إذ يفتت الطعام إلى جزيئات صغيرة، ويرطبه باللعاب حتى يصبح ابتلاعه أسهل.
ووفقًا للباحث أندريس فان دير بيلت، المتخصص في فيزيولوجيا الفم بجامعة أوترخت الهولندية، فإن المضغ لا يقتصر على زيادة إنتاج اللعاب والإنزيمات الهاضمة مثل "الأميلاز"، بل يرسل أيضًا إشارات عصبية تحفز الأمعاء والبنكرياس على إفراز العصارات الهاضمة استعدادًا للتعامل مع الغذاء قبل وصوله.
ويضيف عالم الأعصاب أبهيشيك كومار أن تفتيت الطعام يوسع مساحة سطحه المعرضة للعصارات الهاضمة، ما يرفع كفاءة عملية الهضم بشكل واضح، وتبدو هذه النقطة مهمة لصحة الأمعاء، لأن الجزيئات الكبيرة التي لا تمضغ جيدًا قد تبقى داخل الجهاز الهضمي فترة أطول، ما يمنح الكائنات الحية الدقيقة وقتًا أكبر لتخميرها، وقد يؤدي ذلك إلى الانتفاخ، والشعور بالامتلاء، والإمساك.
امتصاص أفضل وشعور أطول بالشبع
يساعد المضغ الجيد أيضًا على تحسين امتصاص العناصر الغذائية وإطلاقها داخل الجسم بكفاءة أعلى.
وقد ظهر ذلك في دراسة أجريت عام 2009 على مجموعة من الأصحاء، طلب منهم مضغ حفنة من اللوز بعدد مرات متفاوت: 10 أو 25 أو 40 مرة.
ومن خلال تحليل عينات الفضلات، وجد الباحثون أنه كلما زاد عدد مرات المضغ قلت كمية الدهون التي يطردها الجسم، ما يعني أن امتصاص الطاقة من المكسرات كان أعلى لدى من مضغوا أكثر وبنسبة وصلت إلى الثلث.
واللافت أن الدراسة نفسها أظهرت أن مضغ الطعام 40 مرة جعل المشاركين يشعرون بالشبع لفترة أطول، وتكررت النتيجة في دراسة أخرى عام 2013 عندما مضغ المشاركون شريحة بيتزا صغيرة 40 مرة؛ إذ تراجع شعورهم بالجوع بشكل ملحوظ، بالتزامن مع ارتفاع مستويات هرموني الهضم CCK وGIP وانخفاض هرمون الجوع "الغريلين".
محور العض والدماغ
بعيدًا عن التغذية، يركز العلماء اليوم على ما يعرف بـ"محور العض والدماغ"، الذي يربط بين المضغ والصحة العقلية مع التقدم في العمر.
فقد أظهرت دراسة أوروبية واسعة، شملت أكثر من 28 ألف شخص فوق سن الخمسين، أن الأفراد الذين يمتلكون قدرة جيدة على المضغ أو يحتفظون بأسنانهم الطبيعية، حققوا نتائج أفضل بكثير من غيرهم في الاختبارات المعرفية، وتذكر الكلمات، والطلاقة اللفظية، والحساب.
ويرتبط ذلك بوجود دوائر عصبية متعددة تصل جهاز المضغ بمنطقة "الحصين" في الدماغ، وهي المنطقة المسؤولة عن التعلم والذاكرة، كما تعد من أولى المناطق التي تتضرر عند الإصابة بمرض ألزهايمر.
وتفسر النظرية الطبية هذا الارتباط بأن حركة الفكين، خاصة عند مضغ مواد متوسطة الصلابة، تعمل كأنها مضخة حيوية تدفع الدم وتزيد تدفقه إلى الدماغ ما يساعد في الحفاظ على نشاطه وحيويته.
تركيز أعلى وتوتر أقل
لا يتوقف أثر المضغ الجيد عند الهضم أو الذاكرة، بل يمتد إلى اليقظة والتركيز اللحظي، فقد كشف تحليل شامل لعدة دراسات عن تحسن ذي دلالة إحصائية في مستويات الانتباه لدى الأفراد عند مضغ العلكة أثناء أداء مهام ذهنية معقدة.
وفي تجربة أخرى، ساعد المضغ على رفع مستويات اليقظة بنسبة تراوحت بين 10% و20%، وتحسين الأداء في اختبارات الذكاء، إلى جانب تخفيف القلق. ورغم أن هذا التأثير قد يكون مؤقتًا، ويدوم غالبًا بين 15 و20 دقيقة، فإنه يظل مؤشرًا واضحًا على قوة الرابط العصبي بين حركة الفم ونشاط الدماغ.
كما يبرز المضغ بوصفه آلية طبيعية لتخفيف الضغط النفسي خارج المختبرات، إذ أظهرت بحوث تركية وكورية أن مضغ العلكة لمدة 30 دقيقة يوميًا خفض مستويات التوتر، والاكتئاب، وقلق ما قبل العمليات الجراحية لدى الطلاب والمريضات والأطفال.
وقد يفسر ذلك لجوء الإنسان من دون وعي إلى المضغ أو حتى طحن الأسنان والصرير في أوقات التوتر، باعتبارها استجابة دفاعية فطرية ومنعكسًا طبيعيًا يطلقه الجسم عند مواجهة الضغوط النفسية.














