تتزايد الأدلة العلمية عامًا بعد عام لتؤكد وجود ارتباط وثيق بين صحة عيوننا ومرض ألزهايمر؛ إذ تُعد شبكية العين مرآة محتملة تكشف التغيرات الهيكلية فيها كعلامة خارجية واضحة على وجود مشكلة أعمق وأكثر تعقيدًا داخل الدماغ بعيدًا عن النظر.
ونجح العلماء سابقًا في إثبات قدرة صور الشبكية على تحديد الأشخاص المصابين بالفعل بحالات نشطة ومستمرة من مرض ألزهايمر.
إلا أن التطور الأحدث يقوده اليوم فريق بحثي أظهر أن هذه الصور لا تقتصر على رصد المرض القائم فحسب، بل يمكنها المساعدة في تحديد مدى خطر إصابة الشخص بألزهايمر قبل سنوات طويلة من تشخيصه الفعلي.
وتوضيحًا للأمر، فإن هذه الصور لا تُشخص المرض بشكل مسبق قبل ظهور الأعراض، وإنما تكشف عن سمات دقيقة لعوامل قد تساهم في رفع احتمالية الإصابة به، مما يعزز الأدلة الناشئة على أن تصوير الأوعية الدموية الصغيرة والأعصاب في العين يمكن أن يمثل إنذارًا مبكرًا للأشخاص الأكثر عرضة لخطر التدهور المعرفي.
التنبؤ المبكر
وأظهرت دراسة حديثة أن ألزهايمر يتطور على مدى عقود، في حين أن معظم أدوات التشخيص الحالية تركز على الاعتلالات النسيجية في المراحل المتأخرة عندما يكون الوقت قد فات للتدخل.
ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى المؤشرات الحيوية الجديدة مثل صحة الشبكية، لفتح آفاق جديدة تتيح تحديد المرضى المعرضين للخطر وتقديم الفحوصات المناسبة لهم وتشجيعهم على تبني أنماط حياة صحية للتخفيف من هذا الخطر.
إن تصوير الشبكية لا يعمل كاستبيان بديل بقدر ما يعمل كجهاز استشعار بيولوجي متكامل للمخاطر التراكمية.
أما من الناحية التطبيقية، فقد وظّف الفريق البحثي تقنيات التعلم الآلي وفحصوا من خلالها 62,876 صورة لشبكية العين استُمدت من قاعدة بيانات البنك الحيوي بالمملكة المتحدة لأكثر من 40 ألف مشارك.
حيث جرى تدريب نظام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بنحو 12 عاملاً ومؤشرًا تزيد من خطر المعاناة من ألزهايمر مثل العمر والجنس والتدخين وعادات النوم واستهلاك الكحول والاكتئاب وكتلة الجسم وضغط الدم.
ومن خلال هذه العملية، نجحت نماذج التعلم في رصد مؤشرات دقيقة لتطور المرض، متمثلة في مظاهر شيخوخة الشبكية كترقق العصب البصري وتصلب الأوعية الدموية وانخفاض كثافتها، وهي علامات ثبت ارتباطها الوثيق بألزهايمر.
واعتمدت النماذج التنبؤية المخصصة لتحديد من سيتطور لديهم المرض مستقبلاً على دمج عوامل الخطر الديموغرافية والوعائية والأيضية ونمط الحياة، إلى جانب صور الشبكية وعوامل الخطر المقابلة لها.
تتبع الأدلة
وأظهرت النتائج أن المرضى الذين أصيبوا بألزهايمر لاحقًا عانوا من انقباض في الشرايين الصغيرة والشريينات داخل الشبكية، وقد يُعزى ذلك إلى خلل وظيفي عصبي وعائي على نطاق أوسع، رغمًا عن بقاء هذا التفسير في إطار التخمين؛ إذ تظل هذه الملاحظات مجرد ارتباطات تحتاج إلى مزيد من البحث والاستقصاء.
وفي مقارنة مع الجهود السابقة، أشار الفريق البحثي للدراسة إلى أن الأعمال الحالية ركزت بشكل كبير على التنبؤ بعوامل الخطر الفردية أو حالات المرض بشكل منفصل، دون فحص منهجي لكيفية ارتباط الأنماط الهيكلية للشبكية بنطاق أوسع من المجالات المرتبطة بخطر ألزهايمر.
ولما كان تصوير الشبكية يُجرى بالفعل بشكل روتيني لمرضى السكري والمياه الزرقاء والمياه البيضاء، فإن احتواء هذه الصور على أدلة تخص الخرف سيجعل منها نقاط بيانات شديدة الأهمية لتتبع تطور أمراض الدماغ.
ولا تتوقف أهمية الشبكية عند حدود الدماغ؛ إذ تشير بعض الأدلة إلى أنها قد تحمل قرائن تخص صحتنا العامة بشكل أوسع، حيث تُظهر الدراسات أن هذه الطبقة العينية يمكنها التنبؤ بصحة عظام الشخص أو حتى خطر وفاته المبكرة، لكونها تعكس بدقة علامات بعض الأمراض الكامنة.











