زراعة رئة تعمل بكامل طاقتها واحدة من العمليات الأكثر صعوبة، إذ يحتاج إلي العديد من الخطوات لضمان نجاح العملية، وخلال الأيام القليلة الماضية خضعت ولية عهد النرويج، الأميرة ميتّه ماريت، البالغة من العمر 52 عامًا، لعملية زراعة رئة في المستشفى الجامعي بأوسلو، بعد معاناة طويلة مع مرض التليف الرئوي المزمن الذي شُخّصت إصابتها به للمرة الأولى عام 2018.
وأعلن القصر الملكي والفريق الطبي المشرف أن الجراحة المعقدة سارت وفق الخطة الموضوعة، لافتا إلى أن استقرار حالة الأميرة فيما بدأت الرئة المزروعة أداء وظائفها بصورة جيدة.
ولا تزال الأميرة تحت المراقبة الدقيقة داخل وحدة العناية المركزة، تمهيدًا لبدء فترة نقاهة وإعادة تأهيل صارمة قد تستمر عدة أشهر، بهدف متابعة تقبل الجسم للعضو المزروع، وتقليل احتمالات حدوث أي مضاعفات صحية أو حالات رفض مناعي.
وأثارت عملية زراعة الرئة اهتمامًا عالميًّا واسعًا بطبيعة هذا التدخل الطبي الحرج، إذ تُعد زراعة الرئة من أدق العمليات الجراحية وأكثرها تعقيدًا، ولا يلجأ إليها الأطباء عادةً إلا باعتبارها خيارًا أخيرًا، بعد فشل الأدوية والعلاجات التقليدية في تحسين حالة المريض، ووصول تدهور وظائف الجهاز التنفسي إلى مرحلة تهدد حياته بصورة مباشرة، نتيجة عجز الرئتين عن تزويد أعضاء الجسم بالكميات الكافية من الأكسجين.
زراعة الرئة أمل جديد
تُجرى عمليات زراعة الرئة عادة للأشخاص الذين يعانون أمراضًا رئويةً حادةً ومزمنةً في مراحلها النهائية، ويأتي في مقدمتها التليف الرئوي الذي عانت منه ولية عهد النرويج.
ويتمثل التليف الرئوي في حدوث تصلب تدريجي داخل أنسجة الرئة، ما يحد من قدرتها على التمدد وامتصاص الأكسجين ويجعل عملية التنفس أكثر صعوبةً وإجهادًا بمرور الوقت.
ولا يقتصر اللجوء إلى زراعة الرئة على حالات التليف الرئوي، بل تشمل دواعيها الطبية أيضًا مرض الانسداد الرئوي المزمن، الذي يؤثر في تدفق الهواء داخل الرئتين، والتليف الكيسي الوراثي الذي يؤدي إلى تراكم مخاط كثيف ولزج داخل الممرات الهوائية، إلى جانب حالات ارتفاع ضغط الدم الشرياني الرئوي الحاد، التي تضع عبئًا متزايدًا على القلب والرئتين معًا.
وتختلف طبيعة الجراحة وفق مدى الضرر الذي أصاب الرئة والحالة الصحية العامة للمريض.
فقد يختار الأطباء زراعة رئة واحدة، وهو خيار يُستخدم في بعض حالات التليف الرئوي، بينما تتطلب حالات أخرى زراعة الرئتين معًا، خصوصًا عندما يكون من الضروري منع انتقال العدوى من الرئة المصابة إلى الرئة الجديدة، كما يحدث في بعض حالات التليف الكيسي.
تقييمات قبل إجراء زراعة الرئة
قبل الوصول إلى غرفة العمليات، يمر المريض برحلة طويلة من الفحوص والتقييمات الطبية والنفسية قد تستغرق أسابيع للتأكد من قدرته على تحمل الجراحة وما يترتب عليها من تبعات صحية وعلاجية.
وتشمل هذه التقييمات فحوص الدم، واختبارات وظائف الرئة، والتصوير المقطعي، إلى جانب تقييم حالة القلب وبقية أعضاء الجسم، للتأكد من عدم وجود مشكلات صحية قد تعوق نجاح العملية أو مرحلة التعافي.
كما يخضع المريض لتقييم نفسي وسلوكي، للتأكد من قدرته على الالتزام بتناول الأدوية، وحضور جلسات المتابعة، وتنفيذ برنامج إعادة التأهيل بعد الجراحة.
وبعد اجتياز هذه التقييمات، يُدرج المريض على قائمة الانتظار الوطنية للمتبرعين، وتُحدد الأولوية وفق نظام يراعي مدى خطورة الحالة، وحاجة المريض العاجلة إلى العضو.
ويمثل قرار التبرع بالأعضاء نقطة محورية في عمليات زراعة الرئة، إذ يعتمد نجاح البرنامج بالكامل على توفر أعضاء مناسبة من متبرعين متوفين، واستعداد عائلاتهم للموافقة على التبرع بها لإنقاذ حياة مرضى آخرين.
مرحلة التعافي تبدأ بعد الجراحة
لا تنتهي رحلة زراعة الرئة بانتهاء العملية، بل تبدأ بعدها مرحلة دقيقة وحاسمة من المراقبة والعلاج وإعادة التأهيل.
فخلال الأيام الأولى، يبقى المريض داخل وحدة العناية المركزة، وقد يكون متصلًا بجهاز التنفس الصناعي، إلى حين التأكد من قدرة الرئة الجديدة على أداء وظائفها بصورة مستقرة.
ويراقب الفريق الطبي مستويات الأكسجين وضغط الدم ووظائف الرئة والكلى والقلب، إلى جانب مؤشرات العدوى أو النزيف أو حدوث أي مضاعفات جراحية.
ومع تحسن الحالة، يُفصل المريض تدريجيًّا عن جهاز التنفس الصناعي، ويبدأ في ممارسة تمارين التنفس والحركة تحت إشراف فريق متخصص.
وقد تستمر الإقامة في المستشفى عدة أسابيع، قبل أن تبدأ مرحلة إعادة التأهيل خارج المستشفى، التي تشمل تدريب عضلات التنفس، وتحسين اللياقة البدنية، واستعادة القدرة على أداء الأنشطة اليومية.
وتحتاج الأميرة ميتّه ماريت، مثل غيرها من مرضى زراعة الرئة، إلى متابعة مستمرة بعد خروجها من المستشفى، تشمل فحوص وظائف الرئة، وتحاليل الدم، والأشعة، وربما أخذ عينات من أنسجة الرئة عند الاشتباه في حدوث رفض مناعي.
أبرز تحديات زراعة الرئة
يواجه مرضى زراعة الرئة تحديين رئيسيين بعد العملية: رفض الجسم للعضو المزروع، وزيادة خطر الإصابة بالعدوى، ويحدث الرفض المناعي عندما يتعامل الجهاز المناعي مع الرئة الجديدة على أنها جسم غريب، فيبدأ في مهاجمتها، ما قد يؤثر في قدرتها على العمل.
وقد يحدث الرفض خلال الفترة الأولى بعد الجراحة، أو يظهر لاحقًا بصورة مزمنة، لذلك يخضع المريض لمتابعة طبية دقيقة للكشف عن أي مؤشرات مبكرة مثل تراجع وظائف الرئة أو ضيق التنفس أو الحمى.
ولتقليل خطر الرفض، يلتزم المريض بتناول أدوية مثبطة للمناعة بانتظام صارم ويستمر في استخدامها مدى الحياة.
وتعمل هذه الأدوية على تقليل نشاط الجهاز المناعي ومنعه من مهاجمة الرئة المزروعة، لكنها في الوقت نفسه تضعف قدرة الجسم على مواجهة الجراثيم والفيروسات والفطريات.
ولهذا ترتفع احتمالات الإصابة بالالتهابات والعدوى، خصوصًا خلال الأشهر الأولى بعد العملية ما يتطلب عنايةً فائقةً بالنظافة، وتجنب مخالطة المصابين بالأمراض والالتزام بالمراجعات الطبية الدورية.
كما يجب ضبط جرعات الأدوية بدقة، لتحقيق التوازن بين حماية الرئة الجديدة ومنع الرفض من جهة، والحفاظ على قدرة الجسم على مقاومة العدوى من جهة أخرى.
وقد تسبب الأدوية المثبطة للمناعة آثارًا جانبيةً أخرى، ما يجعل المراقبة الطبية المستمرة جزءًا أساسيًّا من حياة المريض بعد الزراعة.












