يعد مرض الخرف أحد أكثر التحديات الصحية إثارة للقلق مع تقدم العمر، حيث تشير الإحصاءات الطبية إلى تصاعد مستمر في أعداد المصابين به عالمياً.
ومع ذلك، تؤكد الأبحاث الحديثة أن الجينات والتقدم في السن ليسا العاملين الوحيدين خلف هذا المرض، بل إن نحو 40% من حالات الخرف ترتبط مباشرة بأنماط الحياة التي نختارها، وهنا يأتي دور الهوايات والأنشطة الترفيهية كأداة دفاعية غير متوقعة لمواجهة تدهور القدرات الإدراكية.
وأظهرت البيانات الصادرة عن لجنة "لانست" المعنية بالوقاية من الخرف، وجود 14 عاملاً من عوامل الخطورة التي يمكن تعديلها أو تجنبها في مختلف مراحل الحياة للوقاية من تدهور خلايا الدماغ؛ مثل ضعف السمع، والعزلة الاجتماعية، وقلة النشاط البدني.
ومن هذا المنطلق، تلعب الهوايات دوراً محورياً في بناء ما يسميه العلماء بالاحتياطي المعرفي، وهو قدرة الدماغ على إنشاء روابط عصبية جديدة وأكثر مرونة من خلال التحفيز المستمر؛ فالأشخاص الذين يمتلكون احتياطياً معرفياً أعلى بفضل التعليم أو الأنشطة الذهنية يكونون أكثر قدرة على مواجهة التغيرات المرضية في الدماغ المرتبطة بـ خطر الإصابة بالخرف، قبل أن تظهر عليهم الأعراض الواضحة مثل فقدان الذاكرة.
هل توجد "هواية سحرية" تحمي الدماغ؟
وفقاً للدراسات العلمية، لا توجد هواية واحدة مثالية تتفوق على بقية الأنشطة، بل إن السر يكمن في التنوع والاستمرارية؛ حيث تابعت دراسة يابانية ضخمة أكثر من 22 ألف شخص على مدار 11 عاماً، ووجدت أن الأفراد الذين يمارسون هواية واحدة على الأقل في منتصف العمر انخفض لديهم خطر الإصابة بالخرف بنسبة 19% مقارنة بمن لا يملكون أي هواية، في حين بلغت نسبة انخفاض الخطر نحو 23% لدى الذين يمارسون هوايات متعددة.
وفي ذات السياق، أظهرت أبحاث أسترالية أن مهام التفكير النقدي والقراءة والكتابة وحل الألغاز تقلل خطر الإصابة بالمرض بنسبة تتراوح بين 9% إلى 11%، في حين أن الأنشطة الإبداعية والحرفية مثل الحياكة أو الأعمال الخشبية تقلل الخطر بنسبة 7%، مما يعني أن اختيارك للهواية يجب أن ينبع مما تحبه وتستطيع الاستمرار فيه بانتظام.
وتكمن القوة الحقيقية للهوايات في كونها تجمع عدة عناصر تدعم صحة الدماغ في آن واحد؛ فهي توفر التحدي المعرفي عبر تعلم مهارات جديدة وحل المشكلات مما ينشط الخلايا العصبية، كما تمنح الجسم نشاطاً بدنياً مميزاً مثل البستنة أو الرقص والتي تُعد من أقوى العوامل الحامية للدماغ. بالإضافة إلى ذلك، تسهم الهوايات في تقليل التوتر واكتساب المرونة النفسية التي تحمي من تدهور الإدراك، فضلاً عن دورها الحاسم في تعزيز التواصل الاجتماعي الدائم، خاصة وأن العزلة الاجتماعية مسؤولة وحدها عن حوالي 5% من حالات الخرف عالمياً، حيث أثبتت الدراسات أن الأشخاص النشطين اجتماعياً تتأخر لديهم أعراض المرض بنحو 5 سنوات مقارنة بأقرانهم الانطوائيين.
ولتقريب الصورة؛ فإن لعب الورق بمفردك على الهاتف يمنحك تحدياً معرفياً فقط، ولكن تحويلها إلى جلسة أسبوعية مع الأصدقاء يضيف إليها الحركة والضحك والتواصل الاجتماعي، وهو ما يضاعف الحماية العقلية بشكل مذهل ويقلل خطر الإصابة بالخرف.
4 أسئلة جوهرية لتقييم هوايتك
إذا كنت ترغب في معرفة ما إذا كانت هوايتك المفضلة تساهم فعلياً في الحد من خطر الإصابة بالخرف، يطرح خبراء الإدراك في جامعة "سيدني" أربعة أسئلة هامة يجب أن تطرحها على نفسك، بحيث تبحث في السؤال الأول عما إذا كانت هذه الهواية تتحدى قدراتك العقلية والذهنية، ثم تسأل نفسك ثانياً إن كانت تدفعك إلى الحركة والنشاط البدني المنتظم.
أما السؤال الثالث قيدور حول ما إذا كانت تُحسن من مزاجك وتمنحك شعوراً بالمتعة أو وجود هدف، لتختم رابعاً بالسؤال عن مدى مساهمتها في مساعدتك على رؤية الناس والتحدث معهم وبناء علاقات اجتماعية؛ وكلما كانت إجابتك بـ "نعم" على عدد أكبر من هذه الأسئلة، كانت هوايتك أكثر كفاءة وقدرة على إبقاء دماغك حيوياً، شاباً، ومحمياً من شبح الشيخوخة الإدراكية.











