يبرز فقدان الشغف أو "الأنهيدونيا" كواحد من أكثر الأعراض استنزافًا لمرضى الاكتئاب، حيث يؤثر على قرابة 90% من المصابين بالاكتئاب الحاد.
وبالرغم من أن المفهوم السائد عن الاكتئاب يتمحور حول الحزن، إلا أن الأزمة الحقيقية للملايين تكمن في العجز التام عن اختبار المشاعر الإيجابية، ولا يقتصر هذا العرض على الاكتئاب فحسب، بل يمتد ليشمل اضطرابات القلق واضطراب ما بعد الصدمة وانفصام الشخصية، ما يجعله مؤشرًا حرجًا لطول فترة المرض وصعوبة التعافي، بل وعاملاً رئيسًا في التنبؤ بالسلوكيات الانتحارية.
البروتوكولات العلاجية التقليدية
وعلى مدار عقود، ركزت استراتيجيات علاج الاكتئاب بشكل شبه كامل على خفض الانفعالات السلبية، تاركة الجانب المتعلق بفقدان المشاعر الإيجابية دون معالجة حقيقية.
ورغم أن تطلعات المرضى غالبًا ما تتركز على استعادة القدرة على الشعور بالبهجة أكثر من رغبتهم في تقليل الحزن، إلا أن العلاجات القياسية ظلت تقصر عن معالجة هذا الخلل في "النظام الإيجابي".
ويؤكد الباحثون على وجود تباين جوهري بين حالتي العجز وفقدان الأمل، لافتين إلى أن الشخص العاجز لا تزال لديه رغبة داخلية في التغيير، بينما يفتقر المصاب بفقدان الأمل إلى أي يقين بإمكانية تحسن حالته، وهو ما يجعل مجرد التخلص من المشاعر السلبية غير كافٍ لعلاجه أو استعادة توازنه النفسي.
علاج الانفعال الإيجابي (PAT)
وكشفت دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعتي SMU و UCLA عن فعالية استهداف المشاعر الإيجابية بشكل مباشر عبر بروتوكول يسمى علاج الانفعال الإيجابي "Positive Affect Treatment".
يعتمد هذا البرنامج على 15 جلسة علاج نفسي تهدف إلى استعادة الغاية والمحفزات والحساسية تجاه نظام المكافأة في الدماغ من خلال هيكلية متكاملة تجمع بين 3 محاور أساسية، حيث يبدأ بالمحور الإدراكي الذي يعمل على تحويل انتباه المريض نحو التجارب الإيجابية وتنمية عادات الامتنان والقدرة على التلذذ باللحظات الراهنة.
ويتوازى ذلك مع المحور السلوكي الذي يسعى بفاعلية إلى إعادة ربط المريض بالأنشطة المجزية والمحفزة التي فقد الشغف بها، وصولاً إلى المحور العصبي الذي يستهدف معالجة الخلل الجوهري في دورة المكافأة الحيوية، ليعيد للعقل قدرته على انتظار اللحظات السعيدة والاستمتاع الحقيقي بها عند وقوعها، ثم تخزينها كذكرى طيبة تشجعه على تكرار التجربة مجددًا.
وأثبتت التجارب السريرية التي أجريت على 98 بالغًا يعانون من حالات حادة من انعدام التلذذ، أن هذا النوع من العلاج أدى إلى تحسن يفوق النتائج التي تحققها العلاجات التقليدية.
كما اعتمد الباحثون في دراستهم عدة مقاييس لمعرفة مدى استجابة المرضى للمواقف الإيجابية وكيفية تعاملهم مع المواقف المقلقة، حيث أثبتت إجابات المرضى عن مشاعرهم الشخصية نجاحًا كبيرًا في توضيح مدى تحسن حالتهم الصحية، ما يدعم فكرة أن التعافي من الاكتئاب لا يعني فقط التخلص من المعاناة والألم، بل يحتاج بشكل أساسي إلى بناء حياة ذات معنى واستعادة القدرة على التواصل مع الآخرين والشعور بقيمة الإنجاز.












