في المراحل الأولى من تفشي أي مرض فيروسي، قد يكون من الضروري للغاية مراقبة هوية الأشخاص المصابين بدقة، لا الاكتفاء بمتابعة أعدادهم وأعراضهم السريرية فحسب.
ويعود ذلك إلى أن بعض الأفراد قد يلعبون دوراً وصفه العلماء بـ "المسرعات التطورية"، إذ يوفرون للفيروس دون قصد ظروفاً مثالية لتطوير طفرات جديدة تزيد من شراسته وقدرته على الإمراض.
وعلى الرغم من عدم التأكد مما إذا كانت هذه الظاهرة تحدث فعلياً بين البشر مثل الجائحة، إلا أن بحثاً جديداً قاده علماء من جامعة "يوتا"، والتي نشرت في الدوريات العلمية المرموقة "Nature Communications"، مثبتة حدوث ذلك على الفئران، مما يجعله احتمالاً نظرياً يستحق الدراسة والبحث المعمق.
بيئة الفيروسات الخصبة
تؤكد الدراسة أن العوامل الوراثية داخل الكائن المضيف، بالإضافة إلى جنسه، يمكن أن تؤثر بشكل كبير على كيفية تطور الفيروس أثناء إصابته، فإذا كان لدى المرضى الأوائل في حالة تفشي وباء ما مزيج مناسب من هذه العوامل، فقد نكون أمام ما يشبه حاضنة تزيد من فرص انتشار الفيروس.
وفي تصريح له، قال رودريجو كوستا، المؤلف المشارك في الدراسة: "يبدو أن بعض المضيفين يصطفون الطفرات المرتبطة ببقائها، وهي سمات تؤثر على المضيفين الآخرين أيضاً، ما يدعم فكرة أنه إذا أصاب الفيروس هؤلاء الأفراد، فإنه سيصبح أسوأ بالنسبة لجميع السكان. لا نجزم بذلك بعد، لكن عملنا يشير إلى أن هذا هو ما قد يحدث فعلياً".
محاكاة الموجة الأولى
استخدم الفريق البحثي فيروس الإنفلونزا "Aم، من نوع "H3N2"، بعد تكييفه ليصيب الفئران. يذكر أن هذه السلالة هي نفسها التي تسببت في جائحة "إنفلونزا هونج كونج" بين عامي 1968 و1970، والتي أدت إلى وفاة ما يصل إلى 4 ملايين شخص.
وبعد تطوير الفيروس بشكل منفصل في ذكور وإناث الفئران من سلالتين مخبريتين مختلفتين، انتهى الأمر بالفريق بـ 28 سلالة فيروسية مختلفة. وأوضح كوستا: "في بداية الجائحة، ينتقل الفيروس من حيوان ما ويصيب نوعاً جديداً من المضيفين، حيث يكتسب طفرات تسمح له بالتكاثر بشكل أسرع. وهذا ما نراه في عملنا التجريبي؛ إنه محاكاة لتلك الموجة الأولى من العدوى والمرة الأولى التي يواجه فيها الفيروس مجتمعاً من المضيفين الجدد".
نتائج غير متوقعة
تمت إصابة الفئران عبر 10 دورات مع مراقبة تكاثر الفيروس وتطوره وحالة الفئران الصحية. واستخدم الفريق تقنية متطورة لتتبع أجزاء محددة من البروتينات الفيروسية التي تمثل "نقاطاً ساخنة" للاصطفاء التطوري بتقنية ثلاثية الأبعاد.
ولاحظ الباحثون في بعض المضيفين اكتساب الفيروس لطفرات جعلته أكثر شراسة. والمثير للاهتمام أن الإصابات في إناث الفئران من سلالة واحدة أنتجت طفرات أكثر من الذكور، بينما أنتجت الإصابات في سلالة أخرى من الفئران طفرات أقل بشكل عام.
وبناءً عليه، فإن جنس المضيف وجيناته يمتلكان القدرة على صياغة تطور فيروس الإنفلونزا بطريقة قد يكون لها آثار متسلسلة على بقية السكان.
وعلق الباحث الرئيسي واين بوتس، أستاذ البيولوجيا في جامعة يوتا، قائلاً: "غالباً ما تكون هذه الاكتشافات غير متوقعة. فعلى سبيل المثال، عندما صممنا هذه التجارب، كانت فرضيتنا المفضلة هي أن زيادة التنوع الجيني للفيروس ستكون عاملاً رئيسياً في تطور الشراسة، وهو ما اختبرناه أيضاً".
ورغم وجود بعض الدعم لهذه الفرضية، إلا أنه كان ضئيلاً مقارنة بتأثير جنس المضيف وتركيبه الجيني، والملاحظة التي تفيد بأن المضيفين الأكثر مقاومة هم من يصطفون شراسة فيروسية أكبر".
آفاق مستقبلية للتحصين
ما يزال الوقت مبكراً لتقرير ما إذا كان هذا التأثير يمكن رصده في البشر، أو ما إذا كان قد أثر على مسارات الجوائح الماضية أو سيؤثر على المستقبلية منها. ومع ذلك، يرى الباحثون أن هذه النتائج قد تفتح آفاقاً جديدة في استراتيجيات مكافحة الأمراض.
ويختتم كوستا بقوله: "هذه فئران وليست بشراً، ولكن إذا صحت فكرة أن الأجناس والتركيبات الجينية المختلفة تؤثر على تطور الفيروس بشكل متباين، فيمكن استخدام ذلك لإرشاد استراتيجيات السيطرة على الأمراض، بحيث يتم تحصين الأفراد أو المجموعات الأكثر عرضة لاصطفاء الشراسة الفيروسية أولاً".
وأضاف: "إذا وجدنا أن هذا ينطبق أيضاً على البشر، فربما يمكننا في المستقبل، ومع توفر بيانات التسلسل الجيني الكافية والمعرفة العميقة بهذه التفاعلات، التنبؤ بالمضيفين المرجح أن يجعلوا الفيروس أكثر شراسة، ومن ثم منحهم الأولوية في التطعيم".














