كثيرًا ما ترسم المخيلات الشعبية صورة حالمة لأشهر الحمل، لتغفل واقعًا طبيًا قاسيًا يختبر أجساد نحو 10.8% من النساء، ويصيبهن بغثيان مستمر يتطلب عناية صحية فائقة، ورغم عجز الطب طوال عقود عن تفسير أسبابه، ربطت دراسة جينية حديثة ذلك العرض بالإصابة بمرض السكري من الدرجة الثانية.
يعرف هذا التشخيص سريريًا بالتقيؤ المفرط الحملي، وهو يسلب المرأة قدرتها الطبيعية على شرب الماء أو تناول الطعام، مما يسبب إنهاكًا جسديًا ونفسيًا حادًا يفرض على المريضات البقاء في المستشفى لتلقي الرعاية الطبية.
وأمام غياب أي علاجات معتمدة رسميًا من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، فسر الطب طوال عقود هذه الحالة كنتيجة لحساسية مفرطة تجاه هرمونات الحمل الشائعة كالإستروجين، غير أن دراسة حديثة نُشرت في مجلة نيتشر جينيتكس كشفت عن عشرة جينات تلعب دورًا رئيسًا في هذه الأزمة.
وأبرزت الدراسة جينًا مسؤولًا عن إنتاج هرمون يعرف اختصارًا باسم «جي دي إف 15»، بوصفه المسبب الرئيس في إحداث هذا الغثيان القاسي.
وقادت الباحثة مارلينا فيزو من جامعة جنوب كاليفورنيا هذا العمل، معتمدة على تحليل بيانات ضخمة شملت ما يقرب من 11 ألف امرأة مصابة، قارنتها الدراسة بمئات الآلاف من السجلات الطبية، مع تنويع الأعراق لتشمل أصولًا آسيوية وإفريقية ولاتينية وأوروبية لضمان دقة النتائج وشموليتها.
ولم تقتصر المفاجأة على اكتشاف هذا الجين المعزول، لتمتد الشبكة وتشمل جينات أخرى ترتبط بشكل وثيق بمخاطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، وبرز في هذه السابقة العلمية ارتباط وثيق بجين يعتبر عامل الخطر الأبرز لسكري الحمل والنوع الثاني، يتحكم في هرمونات تنظم الشهية والإنسولين بآلية تشبه عمل أدوية حديثة رائجة.
وترتبط الجينات المكتشفة بوظائف حيوية متعددة في الجسم والدماغ، إذ تؤثر على استجابة الخلايا للإنسولين وتتدخل في آليات الذاكرة والتعلم، وهو تداخل بيولوجي يفسر علميًا سر النفور الحاد الذي تبديه الحوامل تجاه الطعام.
وتشير فيزو إلى أهمية هذا الاكتشاف، معتبرة إياه «مفيدًا لاستكشاف سبل جديدة للعلاجات، وطرق التنبؤ بالمرض وتشخيصه وعلاجه وربما الوقاية منه مستقبلًا».
ويطوي هذا الاكتشاف صفحة الاعتقاد الطبي القديم القائل بأن الغثيان مجرد حساسية مفرطة تجاه هرمونات الحمل الطبيعية، ويضع أساسًا علميًا دقيقًا للمرض، ويؤكد طبيب الطوارئ أندرو هاوسهولدر، هذا التحول الحاسم موضحًا أن البحث «ينبغي أن ينهي أخيرًا النقاش حول التقيؤ المفرط كحساسية، فهو يرسخ مسار الجين الجديد كمحرك أساسي».
ورغم عدم وجود تجارب سابقة لاستخدام أدوية السكري في بروتوكولات الحمل، يترقب المجتمع الطبي إطلاق تجارب سريرية خلال الصيف المقبل للبحث عن حلول دوائية مبتكرة.
وستعتمد هذه التجارب على استخدام دواء ميتفورمين المخصص لمرضى السكري، في محاولة لتقليل استجابة الأمهات للهرمون المسبب للغثيان، وهي خطوة تسعى إلى توفير علاج فعال يوقف مضاعفات التقيؤ المستمر، ويتيح للمرأة فترات حمل صحية ومستقرة.













