كشفت تجربة علمية حديثة أن توقيت العلاج قد يلعب دورا مهما في فعاليته. فقد درس باحثون حالة مرضى مصابين بالنوع نفسه من سرطان الرئة، وتلقوا جميعا العلاج المناعي ذاته، مع اختلاف واحد فقط وهو وقت تناول الدواء.
توقيت العلاج يصنع الفارق
وتبين أن المرضى الذين تلقوا جرعاتهم الأولى في وقت مبكر من اليوم، قبل الساعة الثالثة مساءً، عاشوا في المتوسط نحو خمسة أشهر إضافية دون تطور المرض، كما امتد متوسط بقائهم على قيد الحياة قرابة عام أطول مقارنة بمن تلقوا العلاج في وقت لاحق من اليوم. كذلك سجلت هذه المجموعة فرصًا أعلى للبقاء على قيد الحياة حتى نهاية الدراسة التي استمرت أكثر من عامين.
وأوضح الباحثون أن هذه النتائج قد ترتبط بدور الساعة البيولوجية للجسم، التي تنظم العديد من الوظائف الحيوية، مثل إفراز الهرمونات ومستويات النشاط وضغط الدم، مشيرين إلى أن مواءمة توقيت العلاج مع هذا الإيقاع اليومي قد تعزز فعالية العلاجات المناعية.
دور الساعة البيولوجية بالجسم
يواصل الباحثون دراسة الساعة البيولوجية للجسم، أو الإيقاع اليومي، لما لها من دور أساسي في تنظيم وظائف حيوية متعددة، مثل إفراز الهرمونات، والشعور بالجوع أو التعب، ودرجة حرارة الجسم، ومستويات السكر وضغط الدم. ويؤكد العلماء أن هذه الساعة الرئيسية تتحكم أيضا في عشرات الساعات البيولوجية الأصغر التي تعمل داخل الخلايا والأنسجة.
وخلال السنوات الأخيرة، توصّل الباحثون إلى أن الجهاز المناعي شديد الحساسية للتوقيت، إذ تشير أدلة متزايدة إلى أن وقت تلقي العلاج أو اللقاح قد يؤثر في فاعليته، بل وفي احتمالات حدوث مضاعفات طبية. وأظهرت دراسات سابقة، على سبيل المثال، أن جراحة استبدال صمامات القلب تكون أقل خطورة عندما تُجرى في فترة ما بعد الظهر.
وتعد الدراسة الجديدة، التي قادها باحثون في الصين، الأولى من نوعها التي تختبر هذه النتائج بشكل مباشر، بعد أن كانت مؤشرات مشابهة قد ظهرت في دراسات رصدية سابقة. وأفادت أبحاث تناولت مرضى سرطان الجلد وسرطان الكلى بأن العلاج المناعي يكون أكثر فاعلية عندما يُعطى في وقت مبكر من اليوم، ما يعزز فكرة أن توقيت العلاج قد يشكل عاملا مهما في تحسين نتائجه.
رغم الحماس الذي أثارته نتائج الدراسة الجديدة، يتعامل عدد من الخبراء معها بحذر علمي. فقد وصف الدكتور زاك بوخوالد، أخصائي الأورام في معهد وينشيب للسرطان بجامعة إيموري، النتائج بأنها «مقنعة للغاية»، مضيفًا: «لو كان هذا دواءً جديدًا، لاعتُبر اكتشافًا ثوريًا».
في المقابل، تثار تساؤلات حول سبب تأثير توقيت إعطاء العلاج المناعي، خاصة أن هذه الأدوية تبقى فعالة في الجسم لأسابيع بعد إعطائها وريديًا. وأقرّ مؤلفو الدراسة بأن هذا تساؤل مشروع، مؤكدين أنهم لا يملكون حتى الآن تفسيرًا واضحًا لهذه الظاهرة.
من جهته، اعتبر الدكتور باولو تارانتينو، أخصائي أورام الثدي في معهد دانا فاربر للسرطان وكلية الطب بجامعة هارفارد، أن النتائج «من أكثر ما أُثير للجدل في علم المناعة السرطانية»، مشيرًا إلى صعوبة تصديق حجم التأثير، رغم قوة الأدلة. ودعا إلى جهود بحثية منسقة للتحقق من هذه النتائج قبل اعتمادها على نطاق واسع.
وصف الدكتور كريستوف شيرمان، الأستاذ المشارك في جامعة جنيف، النتائج بأنها «مُثيرة حقًا»، مشيرًا إلى أن قوة التأثير لدى المرضى لافتة للنظر. وأضاف أنه يتفق مع المشككين على ضرورة تكرار التجربة على مجموعات أكبر وفي مناطق مختلفة من العالم للتأكد من دقتها.
وفي هذا الإطار، بدأت بالفعل دراسة تأكيدية واحدة على الأقل. ويعمل الدكتور زاك بوخوالد وزملاؤه على تسجيل مرضى في تجربة عشوائية مماثلة لاختبار أثر توقيت العلاج المناعي لدى مرضى سرطان الجلد، مع خطة لتسجيل نحو 100 مريض من جامعة إيموري ومستشفى ماساتشوستس العام في بوسطن.
تأثير التوقيت في علاج السرطان
ونُشرت الدراسة هذا الأسبوع في مجلة Nature Medicine أن توقيت العلاج المناعي قد يؤثر بشكل واضح في نتائج علاج سرطان الرئة. وشملت الدراسة 210 مرضى مصابين بسرطان الرئة ذي الخلايا غير الصغيرة، جرى تقسيمهم بالتساوي إلى مجموعتين تلقّت إحداهما العلاج قبل الساعة الثالثة مساءً، بينما تلقّت الأخرى العلاج بعدها.
واختار الباحثون هذا التوقيت استنادًا إلى دراسات سابقة تشير إلى أن نشاط الجهاز المناعي قد يتباطأ بين الثانية والثالثة مساءً. وبعد متابعة المرضى لأكثر من 28 شهرًا، تبيّن أن المرضى الذين تلقوا العلاج في وقت مبكر عاشوا في المتوسط نحو عام أطول مقارنة بمن تلقوا العلاج في وقت متأخر من اليوم، مع تحسن ملحوظ في فرص البقاء على قيد الحياة.
أظهر العلاج المبكر مضاعفة مدة السيطرة على المرض تقريبًا، إذ تأخر تطور السرطان 11.3 شهرًا مقابل 5.7 أشهر لدى العلاج المتأخر. وفي نهاية الدراسة، بقي 45% من مرضى العلاج المبكر على قيد الحياة، مقابل 15% فقط من المجموعة الأخرى، مع رصد نشاط أعلى للخلايا المناعية القاتلة للسرطان لدى من تلقوا العلاج في وقت مبكر.
وقبل تطبيق الفكرة على البشر، أجرى الباحث كريستوف شيرمان تجارب دقيقة على الفئران لدراسة الساعات البيولوجية التي تنظّم عمل أجزاء مختلفة من الجهاز المناعي. ورغم الاختلاف بين الفئران والبشر، أظهرت هذه الدراسات ما قبل السريرية أن الخلايا التائية، وهي خلايا دم بيضاء متخصصة في التعرف على التهديدات مثل السرطان ومهاجمتها، تكون أكثر نشاطًا في ساعات الصباح، كما تتحرك إلى داخل الأورام وخارجها على مدار اليوم.
في المقابل، يتمتع السرطان بقدرة على تعطيل هذه الخلايا المناعية القوية، إذ تنتج الخلايا السرطانية بروتينات تُثبّط عمل الخلايا التائية وتمنعها من مهاجمة الورم. ويوضح الدكتور زاك بوخوالد أن هذه الخلايا قد تصل إلى حالة تُعرف بـ«الإنهاك»، حيث تفقد فعاليتها تدريجيًا نتيجة الأساليب التي يطوّرها السرطان لقمع الاستجابة المناعية.
أوضح بوخوالد أن الخلايا التائية قد تفقد قدرتها على العمل بكفاءة بسبب ما يُعرف بـ«الإنهاك»، إذ يطوّر السرطان آليات تُضعف الاستجابة المناعية. وتساعد أدوية العلاج المناعي من نوع مثبطات PD-1 على تعطيل هذا التأثير، ما يمكّن الخلايا التائية من التعرف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها.
بدوره، أشار شيرمان إلى أن عدد الخلايا التائية داخل الورم يكون أكبر في ساعات الصباح، ما يجعل العلاج أكثر فاعلية عند إعطائه مبكرًا. وأضاف أن هذا التأثير يبدو أكثر وضوحًا مع الجرعة الأولى من العلاج، فيما لا تزال أسباب تراجع أهمية التوقيت في الجرعات اللاحقة غير معروفة حتى الآن.
اقرأ أيضًا:
تجربة رائدة: الذكاء الاصطناعي يكشف سرطانات الثدي مبكرًا
الوقاية قد تُنقذك.. 4 من كل 10 إصابات بالسرطان كان يمكن منعها
علماء يطورون دواءً يُعيد ضبط ساعة الجسم تلقائيًا













