لم تكن لحظة سقوط لاعبة كرة السلة الأمريكية ليز كيتلي على أرض الملعب مجرّد إصابة رياضية عابرة، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة طويلة من إصابات الرباط الصليبي الأمامي التي تطارد الرياضيات حول العالم.
هذا النوع من الإصابات لا يقتصر على نجمات الصف الأول، بل يطال فتيات ونساء من مختلف الأعمار والمستويات الرياضية، بمعدلات تفوق ما يتعرّض له الذكور في الألعاب نفسها، وبينما يتكرر المشهد منذ عقود، لا يزال السؤال مطروحًا بإلحاح: لماذا تُصاب النساء بالرباط الصليبي الأمامي أكثر من الرجال؟
وتشترك أسماء لامعة في مسيرة الألم نفسها، من لاعبات كرة السلة في الجامعات والدوريات المحترفة إلى بطلات الألعاب الأولمبية، هذا التكرار لم يعد استثناءً، بل ظاهرة لافتة في الرياضة النسائية المعاصرة؛ فإصابة الرباط الصليبي الأمامي باتت جزءًا من الواقع اليومي لكثير من الرياضيات، وتؤثر في مساراتهن المهنية وتفرض عليهن فترات طويلة من الغياب والعلاج وإعادة التأهيل، وقد تنهي مسيرة بعضهن في ذروتها.
لماذا ترتفع نسبة الخطر لدى النساء
تشير الدراسات إلى أن الفتيات والنساء يواجهن خطرًا أعلى للإصابة بهذا الرباط مقارنة بالذكور عند ممارسة الرياضات نفسها، ويرجع الخبراء هذا الفارق إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، تشمل اختلافات تشريحية في بنية الحوض وزاوية اتصال العضلات بالعظام، إلى جانب عوامل وراثية وأنماط حركة وتوازن عضلي تختلف بين الجنسين.
وتلعب الفروق في القوة بين عضلات الفخذ الأمامية والخلفية دورًا في زيادة الضغط على مفصل الركبة، بما يرفع احتمالات التعرّض للتمزّق عند القفز أو الهبوط أو تغيير الاتجاه المفاجئ.
ومنذ تسعينيات القرن الماضي طُرحت فرضية ارتباط التقلّبات الهرمونية خلال الدورة الشهرية بارتفاع خطر الإصابة، ورغم شهادات عدد من اللاعبات اللواتي تزامنت إصاباتهن مع فترات معيّنة من الدورة، فإن الدليل العلمي ظلّ غير حاسم.
اليوم، تتجه أبحاث جديدة إلى تتبّع التغيّرات الهرمونية بدقة وربطها بالحركة والقوة والتحكّم العصبي العضلي خلال مراحل مختلفة من الدورة الشهرية، في محاولة لفهم ما إذا كانت فترات بعينها تمثّل نافذة أعلى للخطر، تمهيدًا لوضع برامج تدريب ووقاية أكثر ملاءمة لطبيعة جسم المرأة.
ولا يقتصر تمزّق الرباط الصليبي الأمامي على ألم لحظي أو غياب قصير عن الملاعب، بل قد يتحوّل إلى تجربة قاسية جسديًا ونفسيًا؛ ففي حالات التمزّق الكامل، تُعدّ الجراحة الحلّ الطبي الأكثر شيوعًا، يتبعها برنامج طويل من العلاج الطبيعي قد يمتدّ لأشهر.
وتُظهر البيانات أن النساء أكثر عرضة لتكرار الإصابة، ما يجعل آثارها ممتدّة على المدى الطويل، سواء من حيث تراجع اللياقة أو اضطراب المسار الرياضي أو التأثير النفسي المصاحب لفقدان القدرة على المنافسة لفترات طويلة.
وقاية ممكنة
في ظلّ غياب إجابة قاطعة عن السبب الرئيسي لارتفاع معدلات الإصابة لدى النساء، تتجه الجهود إلى الوقاية بوصفها خط الدفاع الأهم.
وتشير برامج تدريبية قائمة على تمارين القفز المتدرّج والتوازن وتقوية العضلات إلى قدرتها على خفض خطر الإصابة بدرجة ملحوظة، شريطة الالتزام بها ضمن الإحماء والتدريب المنتظم.
ويؤكد مختصون أهمية إدخال هذه البرامج منذ سن مبكرة، وتوعية المدرّبين والأهالي والرياضيات بأهمية بناء القوة العضلية والتقنية الحركية السليمة بوصفهما عاملين أساسيين للحماية.
إلى جانب العوامل البيولوجية، يلفت باحثون إلى أن البيئة الرياضية غير المتكافئة التي تنشأ فيها الفتيات قد تسهم في زيادة الخطر. فكثير من الرياضيات يبدأن التدريب المتخصص في سنّ متأخرة مقارنة بالذكور، ويمارسن اللعب في ظروف أقل جودة من حيث الملاعب والمعدّات وفرص التدريب، فضلًا عن ضعف التشجيع على تمارين القوة ورفع الأثقال للفتيات في مراحل مبكرة، كما تضطر بعض الرياضيات المحترفات إلى الجمع بين أكثر من عمل، ما يضاعف الإرهاق ويؤثر في التعافي البدني.
ويرى خبراء أن هذه العوامل قابلة للتغيير، وأن تحسين البيئة التدريبية وتكافؤ الفرص قد يسهمان في تقليص فجوة الخطر.
يؤكد الخبراء أن الفهم الأفضل لإصابات الرباط الصليبي الأمامي عند النساء يساعد على تطوير برامج تدريب ووقاية تراعي الخصوصيات البيولوجية لكل لاعبة، ويقلّل من مخاطر الإصابة، ويتيح للرياضيات مواصلة اللعب بأمان واستمرار في العطاء.














