تشهد رياضة البادل اهتمامًا متزايدًا من باحثي علوم الرياضة، في ظل خصائصها الحركية التي تميزها عن كثير من الألعاب الأخرى، إذ نادرًا ما تخرج الكرة خارج الملعب، فيما تسهم الملاعب المغلقة في الحفاظ على استمرارية التبادلات، ما يفرض على اللاعبين حركة متواصلة واتخاذ قرارات سريعة طوال زمن اللعب.
أهمية رياضة البادل
ووفقًا لموقع " ناشيونال جيوجرافيك"، يرى فرانسيسكو براداس، الباحث في علوم الرياضة والأستاذ في جامعة سرقسطة، أن رياضة البادل تمتلك مقومات فريدة تجعلها أداة فعالة في مواجهة أنماط الحياة الخاملة، مؤكدًا أنها قد تصبح «إحدى أفضل الوسائل في القرن الحادي والعشرين لمكافحة الارتفاع العالمي في معدلات الخمول البدني».
ويستند هذا الاهتمام العلمي إلى نتائج أولية ربطت ممارسة البادل بعدد من الفوائد الصحية، سواء على الصعيد البدني أو النفسي، من بينها تعزيز الثقة بالنفس وتحفيز إفراز بروتين BDNF، المعروف بدوره في دعم صحة الدماغ والوظائف المعرفية.
وأوضح براداس، أن لعبة البادل تعتمد على مزيج متكامل من القدرات البدنية والمهارات الحركية، إذ تجمع بين الجوانب الفنية والتكتيكية والبدنية والاستقلابية والنفسية، مشيرًا إلى أن طبيعتها المتقطعة والهوائية تمنحها قيمة صحية عالية، كونها تسهم في تنشيط استقلاب الجلوكوز والدهون، ويعتمد جزء كبير من هذا التأثير على كيفية تصميم لعبة البادل للعب.
الفوائد الصحية لرياضة البادل
أظهرت دراسات حديثة أن ممارسة رياضة البادل تسهم في تحسين عدد من مؤشرات اللياقة البدنية العامة، من بينها سرعة العدو، وقوة قبضة اليد، واستقرار العمود الفقري، وذلك عبر تعزيز قوة العضلات القطنية من خلال الجهد المتساوي القياس.
ويعود جزء كبير من هذه الفوائد إلى الخصائص الفريدة لقواعد اللعبة، وعلى رأسها الملاعب المغلقة التي تسمح بارتداد الكرة عن الجدران الجانبية والخلفية، ما يحافظ على استمرارية التبادلات بين اللاعبين. وتؤدي هذه القاعدة إلى رفع وتيرة اللعب دون الحاجة إلى زيادة كبيرة في الجهد البدني أو مستويات الإجهاد.
كما تفرض طبيعة اللعبة تركيزًا ذهنيًا عاليًا، إذ يبقى اللاعبون في حالة حركة شبه دائمة، مع متابعة دقيقة للمساحة والتوقيت ومسار الكرة. وتشير الدراسات إلى أن هذا التفاعل الحركي والذهني المستمر قد يفسر ارتباط رياضة البادل بزيادة مستويات عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ (BDNF)، وهو عنصر يرتبط بدعم صحة الدماغ والوظائف المعرفية، ما يعزز من القيمة الصحية الشاملة لهذه الرياضة.
سمات تميز رياضة البادل
وأوضح فرانسيسكو براداس أن من أبرز السمات التي تميز رياضة البادل عن غيرها من رياضات المضرب قدرتها على التحكم في شدة اللعب وتأثيره البدني، مشيرًا إلى أن أسلوبها يسمح بخفض الحمل البدني وتعديله بسهولة وفق مستوى اللاعب.
وأضاف أن هذه الديناميكية تؤدي إلى تقليل العبء الأيضي، «ما يرفع عدد الضربات في كل تبادل ويطيل زمن اللعب بأسلوب أكثر اعتمادًا على الجهد الهوائي»، وهو ما يجعل البادل خيارًا مناسبًا وجذابًا للمبتدئين على وجه الخصوص.
وفي المقابل، لفت براداس إلى أن الأبحاث العلمية حول هذه الرياضة لا تزال في مراحلها الأولى، خاصة فيما يتعلق بالفوائد النفسية والاستجابات الهرمونية، بما في ذلك تأثير ممارسة البادل على اللاعبات خلال مراحل الدورة الشهرية المختلفة.
وأشار إلى أن الدراسات الحالية تحتاج إلى عينات أوسع وأكثر تنوعًا لتعزيز دقة النتائج، مؤكدًا في الوقت ذاته أن الاهتمام البحثي برياضة البادل يشهد تصاعدًا ملحوظًا، سواء من جانب الباحثين أو اللاعبات، مع تزايد انتشارها عالميًا.
كيف تختلف البادل عن بقية رياضات المضرب؟
بالمقارنة مع التنس، تعتمد رياضة البادل على حركات قصيرة وتفاعلية ولعب هوائي متواصل، بدلًا من الركض الطويل وتغييرات الاتجاه الحادة. ويشير جورج توماس، المدرب السابق في التنس والعامل حاليًا لدى Padel HQ، إلى أن صِغر حجم الملعب وقرب اللاعبين من بعضهم يسرّع وتيرة اللعب ويجعل التبادلات أكثر حدة.
ورغم هذه السرعة، تُعد البادل أقل إجهادًا بدنيًا من التنس، لا سيما للمبتدئين والمتوسطين، إذ تُمارس غالبًا بنظام الزوجي، ما يقلل المسافات المقطوعة ويحد من الضغط على المفاصل نتيجة انخفاض الحركة الجانبية.
وتضع هذه الخصائص رياضة البادل في موقع متوسط بين رياضات المضرب عالية الكثافة مثل الاسكواش والريشة الطائرة، التي تتطلب جهدًا لاهوائيًا مرتفعًا، وألعاب أقل إجهادًا مثل البيكلبول، ما يجعلها خيارًا أكثر استدامة للهواة.
على خلاف رياضة البيكلبول، التي تتسم بانخفاض الجهد القلبي واستهلاك الطاقة، خصوصًا لدى اللاعبين الأصغر سنًا أو الأكثر لياقة، يقدّم تصميم رياضة البادل توازنًا أفضل بين الفائدة البدنية والإجهاد، عبر إطالة فترات التبادل مع تقليل قوة الضربات.
وتعكس بيانات الإصابات هذا التوازن، إذ تشير مراجعات علمية إلى تسجيل نحو ثلاث إصابات لكل ألف ساعة لعب، مع ملاحظة ارتفاع نسبي في إصابات المرفق. ومع ذلك، يوضح فرانسيسكو براداس أن هذه الإصابات غالبًا ما تكون طفيفة، ويمكن الحد منها عبر الإحماء الجيد، وفترات التبريد المناسبة، واختيار المعدات الملائمة.
تحديات رياضة البادل
رغم ملاءمة رياضة البادل صحيًا لمن يعودون إلى ممارسة النشاط البدني أو يبحثون عن جهد معتدل ومستدام، بفضل شدتها القابلة للتحكم ونظام اللعب الزوجي، فإنها لا تخلو من تحديات. إذ يحذّر خبراء من أن تكرار أنماط الضرب قد يسبب إجهادًا في المرفق والساعد، خاصة لدى المبتدئين، ما يستدعي التدرج في التدريب وتصحيح الأسلوب.
ويظل الوصول إلى الملاعب عائقًا رئيسيًا، لا سيما مع ارتفاع تكاليف الحجز التي قد تتجاوز 35 دولارًا للجلسة الواحدة في الولايات المتحدة، وفق ما تشير إليه بريتاني دوبينز ، أول لاعبة بادل أمريكية تفوز ببطولة CUPRA FIP Tour، ورغم التوسع العالمي السريع وافتتاح نوادٍ جديدة يوميًا، فإن توفر الملاعب يختلف بشدة حسب المدن، ما يحدّ من انتشار اللعبة في بعض المناطق.
اقرأ أيضًا :
الوقاية قد تُنقذك.. 4 من كل 10 إصابات بالسرطان كان يمكن منعها












