لطالما ارتبط الحديث عن الصحة وطول العمر بالعلاقات العاطفية، لكن سؤالًا أقل شيوعًا يفرض نفسه: هل للصداقة الأثر نفسه؟ خلف هذا التساؤل تختبئ قصص إنسانية معقدة، تكشف أن العلاقات، مهما كانت بسيطة في ظاهرها، قد تكون عبئًا أو دعمًا بحسب ظروف أصحابها.
تؤكد الدراسات أن العلاقات العاطفية تحسن الصحة الجسدية والنفسية، وقد تساعد الإنسان على عيش حياة أطول. غير أن الفوائد المحتملة للصداقة لا تزال محل تساؤل، خاصة عندما تصطدم بواقع مختلف لا يسمح دائمًا بالحفاظ على تواصل اجتماعي نشط.
تجربة بيني شيكس
يعيش بيني شيكس، كوميديان ستاند أب متنقل في نوتنغهام بالمملكة المتحدة، واقعًا مختلفًا بسبب مشكلات صحية نفسية وإعاقة حركية ناجمة عن الشلل الدماغي. يجد نفسه مضطرًا لترشيد طاقته مع أصدقائه، وغالبًا يضطر لإلغاء اللقاءات، ليس بدافع اللامبالاة، بل بسبب الإرهاق المستمر حتى من أبسط الأنشطة اليومية، مثل الجلوس والعمل على الحاسوب.
يتفهم أصدقاء بيني وشريكته حاجته للعزلة المنتظمة، وهي عزلة يختارها بإرادته ولا تعني الشعور بالوحدة. هذا التفهم يمنحه مساحة للتنفس دون شعور بالذنب. في المقابل، يلعب أصدقاؤه دورًا حيويًا في دعمه اليومي؛ يذكرونه بتناول أدويته ويقفون إلى جانبه خلال فترات تدهور صحته النفسية.
لكن الدعم لا يسير في اتجاه واحد فقط، فبيني بدوره يسهم في مساندة الآخرين، كما فعل خلال جائحة كوفيد-19 حين تعاون مع صديقه مارك نيكولاس على إنشاء مجموعة دردشة تضم كوميديين وفنانين من ذوي الإعاقة، تحولت المبادرة إلى مساحة دعم جماعي، حيث باتت المجموعة تضم نحو 25 شخصًا يمكن لأي منهم اللجوء إليها عند الشعور بالضيق أو الحاجة إلى المساندة.
ورغم خصوصية تجربة بيني، إلا أنه ليس حالة استثنائية، كثيرون يختبرون الآثار العلاجية للصداقة، من تحسين المزاج إلى تعزيز صحة القلب، ورغم أن الصداقات غالبًا ما وُضعت في مرتبة أقل من العلاقات العاطفية أو الأسرية، فإن الأدلة تشير بوضوح إلى أنها عنصر أساسي في الصحة النفسية والجسدية ودعامة مهمة للتعافي والعيش المتوازن.
الفوائد الصحية للصداقة
تشير الدراسات الحديثة إلى أن الصداقات لا تعزز الصحة النفسية فحسب، بل تمتد آثارها لتشمل الجسد بأكمله. تقول الصحفية العلمية ليديا دينورث، مؤلفة كتاب عن علم الصداقة، إنها مندهشة من تأثير العزلة الاجتماعية على الجهاز المناعي. فعندما يعاني الإنسان من الوحدة، تتغير سلوكيات خلاياه البيضاء، ما يزيد الالتهابات ويضعف استجابة الجسم المناعية. وتعلق: "الأمر مدهش حقًا كيف أن أجسامنا تعمل بهذه الطريقة".
ولا يتوقف الأمر عند الجهاز المناعي؛ فالأشخاص المندمجون اجتماعيًا يعيشون حياة أطول وأكثر صحة، ويقل لديهم خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم. كما تشير الدراسات إلى أن الصداقات تساعد على النوم بشكل أفضل وتسريع التعافي الجسدي، مثلما أظهرت أبحاث تناولت شفاء الجلد بعد تعرضه للجرح.
على الجانب الآخر، فإن الصداقات المتوترة أو غير المستقرة تمثل مؤشرًا قويًا للإصابة بالأمراض المزمنة. وفي بعض الحالات، تكون العزلة الاجتماعية أخطر على الحياة من عوامل شائعة مثل التدخين وارتفاع الكوليسترول.
ويعود ذلك جزئيًا إلى الترابط الوثيق بين الصحة النفسية والجسدية. تشرح دونا تورنبول، مديرة تطوير المجتمع في جمعية Voluntary Action Camden الخيرية في لندن: "من المعروف أن العزلة الاجتماعية ستفاقم أي مشكلة صحية تقريبًا". وتضيف: "إذا لم تكن نشطًا اجتماعيًا، فأنت غالبًا لا تكون نشطًا جسديًا أيضًا".
الصداقة والجودة عبر العمر
تشير سايدة هشميتي، عالمة النفس بجامعة كليرمونت الأمريكية، إلى أن الصداقة ليست بالضرورة أفضل على الصحة من العلاقات الأسرية أو الزوجية، لكن جودة التفاعل داخلها هي الأهم، وتقول هشميتي: "مهما كان مصدر هذه الإيماءات الصغيرة من الحب، أو نوع العلاقة التي تأتي منها، فإن جودة التفاعلات هي الأهم".
تاريخيًا، كان دور الصداقة في الحفاظ على الصحة مهمشًا ومُستهانًا به، لكن الدراسات الحديثة تشير إلى أهميتها الكبيرة. في بعض الحالات، قد تكون الصداقة أكثر حماية للصحة من الزواج أو الأسرة، خصوصًا لكبار السن، حيث تساهم الصداقات في تحسين الصحة والسعادة بشكل أكبر.
بينما تظهر بعض الأنماط المشتركة للصداقات عبر الثقافات، فإن معظم الأبحاث ركزت على المجتمعات الغنية والأغلبية البيضاء، مع إهمال مجموعات مثل الكوير وذوي الإعاقة. الصداقة تمثل شكلًا طوعيًا من الاعتماد المتبادل يتغير مع مرور الوقت، وتتأثر بالعادات الثقافية، الولاء، الثقة، والاستقلالية.
تظهر اختلافات كبيرة في الصداقات على مدار الحياة. هناك ما يشبه "منحنى U" من حيث الوقت الذي نقضيه مع الأصدقاء: فالصداقة مهمة جدًا لتكوين هوية المراهقين، أقل أهمية لدى البالغين في منتصف العمر، ثم تعود لتكتسب أهمية مرة أخرى في مرحلة الشيخوخة.
الدراسات العصبية تدعم هذا الاتجاه. فقد أظهرت أبحاث التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي أن التفاعل مع الأصدقاء ينشط مناطق الدماغ الاجتماعية المرتبطة بفهم الآخرين، كما يزيد النشاط في منطقة "السترياتوم" المسؤولة عن المكافأة، وفي المراهقة، هناك حساسية مكافأة متزايدة عند الفوز لصالح صديق مقرب، وتبلغ ذروتها حوالي 15–16 عامًا، كما تشرح بيرنا جوروغلو، عالمة الأعصاب التنموية بجامعة ليدن بهولندا.
إدارة الصداقات الضعيفة
مع تقدم العمر، يصبح الناس أكثر انتقائية في علاقاتهم، الصداقات القوية توفر دعمًا أساسيًا، بينما الصداقات الضعيفة تساعد على توسيع الوصول إلى المعلومات والفرص، تنوع الصداقات يعزز الصحة العامة وقد يحسن قدرة الجسم على مقاومة الأمراض.
توضح هشميتي أن الصداقات الأضعف لا تزال تستحق الحفاظ عليها، بشرط أن يكون الأصدقاء متفقين على توقعاتهم. فإذا كان أحدهم يتوقع لقاءات أسبوعية والآخر يكتفي بتبادل رسائل قليلة، فإن عدم التوافق قد يؤدي للإحباط.
تضيف دينورث: "من الأفضل ألا تحتل العلاقات الغامضة مركز الدائرة". فالأفضل إصلاحها، أو إعادة ترتيبها إلى دائرة أوسع، أو إنهاؤها إذا لزم الأمر، وجود عدد كبير من العلاقات الغامضة أو غير المستقرة يرتبط بارتفاع ضغط الدم، تسريع شيخوخة الخلايا، ومخاطر صحية أخرى، لذا وضوح التوقعات وجودة العلاقة تصنع الفرق في تأثير الصداقة على الصحة.













