يُعدّ اتباع نظام غذائي متوازن من أساسيات الصحة الجيدة، غير أن ما يغفل عنه كثيرون هو أن الاحتياجات الغذائية للجسم لا تبقى ثابتة، بل تتغيّر بتغيّر مراحل العمر، من الحمل والطفولة وصولًا إلى الشيخوخة.
خلال الحرب العالمية الثانية، فرضت الحكومة البريطانية نظام تقنين غذائي شمل السكر، ما أدى إلى انخفاض استهلاكه، خصوصًا لدى الأطفال. وبعد رفع التقنين عام 1953، ارتفع استهلاك السكر بشكل ملحوظ. وقد أتاح هذا التباين التاريخي فرصة فريدة للبحث العلمي.
في دراسة نُشرت عام 2025، حلّل باحثون السجلات الطبية لنحو 63 ألف شخص وُلدوا خلال فترة التقنين، ووجدوا أن من تعرّضوا لكميات أقل من السكر خلال الحمل وأول ألف يوم من حياتهم كانوا أقل عرضة للإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية في مراحل لاحقة من العمر. وتؤكد هذه النتائج أن الإكثار من السكريات يضرّ بالصحة في جميع الأعمار.
لكن ليس كل الطعام يتساوى عبر مراحل الحياة؛ ففي الطفولة، يحتاج الجسم إلى أطعمة عالية الكثافة الغذائية لدعم النمو السريع، بما يشمل الدهون الصحية، والحديد، واليود، والفيتامينات الأساسية. وتشير الباحثة فيديريكا أماتي من جامعة إمبريال كوليدج لندن إلى أن الغذاء في هذه المرحلة لا يوفّر الطاقة فقط، بل يساهم فعليًا في بناء الدماغ والجسم.
كما تُعدّ هذه السنوات حاسمة لبناء الكتلة العظمية، ما يجعل الكالسيوم وفيتامين د عنصرين أساسيين، ويمكن الحصول عليهما من منتجات الألبان، أو البدائل المدعّمة، والأسماك، والتعرّض لأشعة الشمس. وتُظهر دراسات أن الأطفال الذين يلتزمون بإرشادات غذائية صحية تقل لديهم مؤشرات خطر أمراض القلب في سن الشباب.
المراهقة وبداية الشباب
تمثل المراهقة والعشرينات مرحلة محورية أخرى، حيث يكتمل نمو العظام والعضلات، وتتكوّن عادات غذائية تؤثر على الصحة المستقبلية. في هذه المرحلة، تزداد الحاجة إلى الكالسيوم، والحديد -خاصة لدى النساء- والبروتين، وفيتامينات ب.
وتوصي أماتي بنظام غذائي يعتمد على النباتات، غني بالخضروات، والحبوب الكاملة، والبقوليات، والمكسرات، مع الحد من الأطعمة فائقة المعالجة. وتشير أبحاث متزايدة إلى أن هذا النمط الغذائي لا يحسّن صحة القلب فقط، بل يرتبط أيضًا بانخفاض معدلات الاكتئاب والقلق، مقارنة بالأنظمة الغربية الغنية بالأطعمة المصنعة.
كما يُظهر النظام الغذائي المتوسطي فوائد إضافية للخصوبة لدى الرجال والنساء، بينما يرتبط النظام الغربي بزيادة مشكلات الإنجاب. وتشمل الأطعمة الداعمة للخصوبة الخضروات الورقية والبقوليات الغنية بحمض الفوليك.
منتصف العمر
مع دخول منتصف العمر، ولا سيما لدى النساء بعد انقطاع الطمث، تزداد مخاطر هشاشة العظام، وأمراض القلب، والسكري من النوع الثاني. ويعود ذلك جزئيًا إلى انخفاض هرمون الاستروجين، الذي يؤثر في توزيع الدهون وحساسية الجسم للأنسولين.
وتشير دراسات واسعة إلى أن الالتزام بنظام غذائي غني بالفواكه، والخضروات، والحبوب الكاملة، والدهون غير المشبعة، والبقوليات، ومنتجات الألبان قليلة الدسم، يرتبط بما يُعرف بـ"الشيخوخة الصحية"، أي الوصول إلى سن متقدمة دون أمراض مزمنة مع الحفاظ على الوظائف العقلية والجسدية.
في هذه المرحلة، تنصح أماتي بالتركيز على صحة القلب والعظام، وزيادة طفيفة في استهلاك البروتين، إلى جانب الحصول على أحماض أوميغا 3 من الأسماك الدهنية، لما لها من خصائص مضادة للالتهابات.
التقدّم في العمر
مع التقدّم في السن، تنخفض احتياجات الجسم من الطاقة، لكن تزداد أهمية العناصر الغذائية. ويُعدّ الكالسيوم وفيتامين د، والبروتين من العناصر الأساسية للوقاية من هشاشة العظام وفقدان الكتلة العضلية.
كما يتغيّر ميكروبيوم الأمعاء مع العمر، ويُرتبط اختلال توازنه بزيادة مخاطر أمراض مثل القلب والزهايمر. وتشير أبحاث إلى أن الأشخاص الذين يشيخون بصحة جيدة يتمتعون بميكروبيوم أكثر تنوعًا، ويمكن دعمه من خلال نظام غذائي غني بالألياف والفلافونويدات الموجودة في الفواكه والخضروات.
وتشير دراسات حديثة إلى أن بعض المكملات، مثل البريبايوتكس وفيتامين د، قد تكون مفيدة لكبار السن، خاصة في تحسين الوظائف الإدراكية والوقاية من النقص الغذائي.














