لم تعد كريستين لاجارد مرتاحة للصمت الذي يفرضه عليها منصبها كرئيسة للبنك المركزي الأوروبي. فبعد أكثر من 20 عاما في مواقع قيادية بالشؤون المالية والاقتصادية الدولية، قررت مغادرة المنصب قبل انتهاء ولايتها، رغبة في استعادة حرية التعبير عن القضايا العالمية ومواجهة ما تصفه بتحريف الحقيقة.
أعلنت لاجارد أنها ستترك منصبها في مارس 2027، قبل انتهاء ولايتها المقررة في أكتوبر من العام نفسه. وأنهى القرار شهورًا من التكهنات بشأن مستقبلها، وفتح الباب أمام سباق خلافة مبكر، في وقت تواجه فيه منطقة اليورو تباطؤ النمو وارتفاع التضخم.
قيود المنصب تدفع نحو الرحيل
قدمت لاجارد السبب المباشر لقرارها بوضوح، إذ تريد استعادة حرية التعبير والمشاركة في النقاشات العامة بشأن القضايا التي تتجاوز اختصاص البنك المركزي الأوروبي. وقالت في ختام مؤتمر صحفي «أريد أن أتمتع بحرية الكلام، وحرية التعبير، وحرية المشاركة في القضايا التي لا تتعلق بالسياسة النقدية».
وتلتزم قيادات البنك الحياد في مواقفها العامة، مع تركيز تصريحاتها على السياسة النقدية، تفاديا للظهور بمظهر المنحاز سياسيًا. وترى لاجارد أن هذا الالتزام جزء من الثمن الذي تدفعه المؤسسة مقابل استقلالها، لكنه يقيد قدرتها على إبداء رأيها في قضايا أخرى ترى أنها تستحق النقاش.
وعبرت عن ضيقها من الصمت إزاء ما يحدث في العالم، قائلة «أنا مهتمة بالحقيقة، وأرى أن الحقيقة تتعرض كثيرا للضرر والتناقض بسبب تحريفها». ولم تحدد الوقائع أو القضايا التي تقصدها، لكنها شددت على أن خبرتها الطويلة تمنحها ما تريد قوله خارج نطاق عملها الحالي.
وأضافت «هناك أشياء يمكنني قولها، سواء استمع الناس إليها أم لا. لكنني أشعر بأن علي قول هذه الأشياء، ولا أستطيع فعل ذلك في منصبي الحالي».
توقيت الرحيل يثير تساؤلات سياسية
إلى جانب الدافع الذي أعلنته لاجارد، أثار توقيت مغادرتها تكهنات بشأن صلته بالانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في أبريل ومايو 2027. فقد تحدثت تقارير عن احتمال أن يكون الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد شجعها على الرحيل مبكرا.
ويتمثل أحد دوافع هذا الاحتمال في تجنب ترك اختيار الرئيس المقبل للبنك المركزي الأوروبي لمرحلة قد يصل فيها إلى قصر الإليزيه مرشح من اليمين المتطرف أو اليسار المتطرف. غير أن هذا الطرح يظل تكهنا بشأن دوافع التوقيت، وليس سببا أعلنته لاجارد لقرارها.
ويرى هولجر شميدينج، كبير الاقتصاديين في بنك بيرنبرج، أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى الحد من المخاطر المرتبطة باحتمال فوز مارين لوبان في الانتخابات الفرنسية. وأشار إلى أن خليفة لاجارد سيُعيّن بينما لا يزال ماكرون، المعروف بتوجهه المؤيد لأوروبا وخصومته السياسية مع لوبان، في منصبه.
وأكد ماكرون ضرورة إعداد الخلافة بطريقة منظمة ومتوازنة بالتعاون مع الشركاء الأوروبيين، معربا عن تقديره لدور لاجارد خلال ولايتها.
سباق الخلافة يبدأ مبكرا
يمهد الرحيل المبكر الطريق للتنافس على قيادة البنك المركزي الأوروبي، المسؤول عن تحديد السياسة النقدية لدول منطقة اليورو. ويتولى المجلس الأوروبي، الذي يضم قادة دول الاتحاد، تعيين رئيس المؤسسة.
وتشمل الأسماء المطروحة رئيس البنك المركزي الهولندي السابق كلاس نوت، والمصرفي الإسباني بابلو هيرنانديز دي كوس، ورئيس البنك المركزي الألماني يواكيم ناغل، ورئيسة بنك الاستثمار الأوروبي ناديا كالفينيو.
ولطمأنة الأسواق والعاملين في البنك إلى أن مغادرتها لن تعطل سير العمل، أكدت لاجارد أن إجراءات البحث عن خليفتها بدأت بالفعل، مشيرة إلى وجود «عدد كبير من المرشحين الممتازين».
وتولت لاجارد رئاسة البنك في أواخر 2019، قبل تفشي جائحة كورونا بوقت قصير. وشهدت ولايتها تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب التجارية التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فضلا عن الحرب في الشرق الأوسط.
وجاء إعلان الرحيل في يوم أبقى فيه البنك سعر الفائدة الرئيسي على الودائع عند 2.5%، رغم ارتفاع التضخم إلى 3.8% الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى له منذ سبتمبر 2023. وتكشف هذه الأرقام بعض التحديات الاقتصادية التي ستواجه القيادة المقبلة، بينما تنشغل المؤسسة أيضا بترتيب انتقال السلطة.
ومع ذلك، لم تربط لاجارد قرارها بهذه التحديات الاقتصادية، وإنما بما ترى أنه قيد يفرضه المنصب على قدرتها على المشاركة في النقاش العام. فهي تريد أن تتحدث عن قضايا تتجاوز السياسة النقدية، وتعتقد أن موقعها الحالي لم يعد يتيح لها ذلك.




