لم يفاجئ قرار الفيدرالي الأمريكي تثبيت أسعار الفائدة الأسواق، لكن التصويت داخله كشف عن خلاف بشأن الخطوة التالية، فبينما فضلت الأغلبية الانتظار، طالب عضوان برفع الفائدة مجددا، في وقت لا يزال فيه التضخم بعيدا عن المستهدف، رغم تحسن تقييم البنك لأداء الاقتصاد الأمريكي.
أبقى البنك المركزي الأمريكي، اليوم الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.75% و4%، انتظارا لمزيد من البيانات التي تساعده على تحديد مسار التضخم. وجاء القرار قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر، في وقت لم يحرز فيه التضخم تقدما ملموسا نحو مستهدف البنك البالغ 2% خلال الأشهر الأخيرة.
يعكس التثبيت صعوبة الموازنة بين اقتصاد يراه الفيدرالي أقوى مما كان يقدره سابقا، وأسعار لا تزال مرتفعة بما يحد من قدرته على تغيير سياسته النقدية. وبينما لم يقدم رئيس البنك كيفن وارش إشارة واضحة إلى الخطوة المقبلة، كشف اعتراض عضوين عن اتجاه داخل لجنة السياسة النقدية يرى أن استمرار الضغوط التضخمية يستدعي زيادة جديدة.
اقتصاد أقوى وأسعار لا تهدأ
برر الفيدرالي قراره بالحاجة إلى جمع مزيد من المعلومات قبل تحديد الخطوة المناسبة، وقالت لجنة السوق المفتوحة المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة في بيانها إن «تراكم مزيد من المعلومات سيساعد اللجنة على تحديد الموقف المناسب للسياسة النقدية، لضمان عودة التضخم إلى مستهدف اللجنة البالغ 2% في الوقت المناسب»، مضيفة أن «اللجنة ستحقق استقرار الأسعار».
وفي الوقت الذي أبقى فيه البنك الفائدة دون تغيير، رفع تقييمه لأداء الاقتصاد من «نمو متين» في اجتماع سبتمبر إلى «قوي» في أحدث بيان له. كما وصف الاستثمار بأنه لا يزال قويا، ورأى أن مكاسب الوظائف تواكب نمو القوة العاملة.
لكن تحسن التقييم الاقتصادي لم يبدد القلق من التضخم، الذي ظل مرتفعا وسط مخاوف من اتساع ضغوط الأسعار لتشمل قطاعات مختلفة. وتواصل تكاليف الطاقة الضغط على الشركات، خصوصا أسعار الديزل المستخدم في الشحن والزراعة وصناعات أخرى، ما يزيد أعباء التشغيل في وقت لا تزال فيه كلفة الاقتراض مرتفعة.
اعتراضان يدفعان نحو زيادة الفائدة
حصل قرار التثبيت على تأييد 10 أعضاء، مقابل اعتراضين طالب صاحبا القرار برفع الفائدة ربع نقطة مئوية. وكانت ليزا كوك، العضوة في مجلس محافظي الفيدرالي التي يسعى الرئيس دونالد ترامب إلى إقالتها، من المعترضين للمرة الأولى على قرار للسياسة النقدية، وانضمت إليها بيث هاماك، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند والمعروفة بميلها إلى التشدد النقدي.
يكشف الانقسام عن خلاف بشأن مدى الحاجة إلى التحرك مجددا، رغم أن كبار مسؤولي الفيدرالي لم يروا ضرورة ملحة لرفع الفائدة بعد الزيادة التي أقرت الشهر الماضي. وجاء ذلك رغم صدور بيانات تضخم أقوى من المتوقع، وتصاعد المخاوف من انتشار الضغوط السعرية في أنحاء الاقتصاد.
ولم يقدم وارش، الذي تولى رئاسة البنك في مايو، توجيها واضحا بشأن الاجتماع المقبل، قائلا إنه لا يؤمن باستباق قرارات الاجتماعات، وإن «أشياء كثيرة قد تحدث»، ولذلك لن يشارك تصوره لما قد يقرره المسؤولون بعد 6 أسابيع. وأقر بأن الفيدرالي لم يحقق استقرار الأسعار بعد، مكتفيا بالقول «نعمل على ذلك».
الأسواق تترقب والخفض لا يلوح قريبا
جاء رد فعل الأسواق محدودا، إذ قلصت الأسهم الأمريكية مكاسبها قليلا بعد القرار، بينما واصلت عوائد سندات الخزانة الصعود، وبلغ عائد السندات لأجل 10 سنوات 5.042%. كما تراجعت بدرجة محدودة رهانات المستثمرين على زيادات مقبلة في الفائدة بعد تصريحات وارش.
ومع ذلك، ظلت الأسواق تتوقع زيادتين إضافيتين خلال الأشهر المقبلة، إذ أظهرت تقديرات التداول احتمالا يقارب 80% لرفع الفائدة في اجتماع 8 و9 ديسمبر، مع ترجيح زيادة أخرى بحلول مارس.
وتعني هذه التوقعات أن الشركات والأسر لا تستطيع التعويل على انخفاض قريب في تكاليف الاقتراض. وقالت كيلي براون، الرئيسة التنفيذية لشركة «أمبيرساند» المتخصصة في إدارة الودائع، إن «التثبيت ليس راحة»، مضيفة أن الفيدرالي يطلب من الناس والشركات الانتظار، فيما يبلغ التضخم 3.7% وتتجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل.
وتزداد صعوبة قرار الفيدرالي مع استمرار ابتعاد التضخم عن مستهدفه طوال 5 سنوات ونصف السنة. ويخشى بعض المسؤولين أن تكون الشركات والأسر قد اعتادت ارتفاع الأسعار بوتيرة أسرع، وأن تبدأ في وضع خططها على هذا الأساس، بما يجعل إعادة التضخم إلى المستوى المستهدف أكثر صعوبة.




