تترك الحروب والنزاعات المسلحة آثارًا تتجاوز الخسائر البشرية والدمار المباشر، لتصل إلى الاقتصاد وأسواق العمل والتجارة والاستثمار، فيما تتحمل الدول المتضررة تكاليف طويلة الأجل لإعادة بناء ما دمرته الصراعات واستعادة النشاط الاقتصادي.

وتكشف قائمة الطوارئ الإنسانية لعام 2026 الصادرة عن لجنة الإنقاذ الدولية "IRC" عن تركز الأزمات في عدد محدود من الدول، بينما تظهر تقديرات دولية أخرى حجم الخسائر الاقتصادية التي تتركها النزاعات، سواء داخل الدول التي تشهد القتال أو في الاقتصادات المرتبطة بها.

فما أبرز المناطق الأكثر تضررًا؟ وكيف تتحول النزاعات من أزمات إنسانية إلى فاتورة اقتصادية تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي؟

السودان.. في صدارة الأزمات الإنسانية

وضعت لجنة الإنقاذ الدولية السودان في المركز الأول بقائمة الطوارئ الإنسانية لعام 2026، يليه الأراضي الفلسطينية المحتلة ثم جنوب السودان، فيما جاءت إثيوبيا وهايتي وميانمار وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي وبوركينا فاسو ولبنان ضمن المراكز العشرة الأولى.

وتضم القائمة 20 دولة تمثل نحو 12% من سكان العالم، لكنها تضم 89% من الأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، ونحو نصف الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع، بحسب لجنة الإنقاذ الدولية.

ولا يقتصر أثر الحرب في السودان على الجانب الإنساني، إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى أن الناتج المحلي الحقيقي انكمش بنحو 29.4% في 2023، ثم انكمش بنسبة إضافية بلغت 14% في 2024، في واحدة من أشد الانكماشات الاقتصادية في التاريخ الحديث للبلاد، نتيجة تدمير البنية التحتية وتعطل الإنتاج والتجارة واتساع نطاق النزوح.

غزة.. خسائر اقتصادية واحتياجات إعادة إعمار

جاءت الأراضي الفلسطينية المحتلة في المركز الثاني بقائمة IRC لعام 2026، في ظل التداعيات الإنسانية والاقتصادية الواسعة للحرب في قطاع غزة. وفي أحدث تقييم سريع للأضرار والاحتياجات، أعده البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في أبريل 2026، قدرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة بنحو 71.5 مليار دولار، بعد احتساب آثار الحرب حتى أكتوبر 2025.

وكان تقييم سابق للبنك الدولي قد قدر الأضرار المادية بنحو "29.9 مليار دولار"، والخسائر الاقتصادية والاجتماعية بنحو "19.1 مليار دولار"، بإجمالي آثار اقتصادية مباشرة وغير مباشرة يقترب من 49 مليار دولار، بينما بلغت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في ذلك التقييم 53.2 مليار دولار.

وتوضح هذه الأرقام أن تكلفة النزاع لا تقتصر على قيمة المباني والمنشآت التي دمرت، وإنما تشمل كذلك خسائر النشاط الاقتصادي والإنتاج وفرص العمل والخدمات الأساسية، فضلًا عن الاحتياجات المستقبلية لإعادة بناء القطاعات المتضررة.

أوكرانيا.. فاتورة إعادة الإعمار تقترب من 588 مليار دولار

رغم وجودها في النصف الثاني من قائمة IRC لعام 2026، تقدم أوكرانيا مثالًا واضحًا على حجم التكلفة الاقتصادية طويلة الأجل للحروب.

وقدرت أحدث دراسة مشتركة للحكومة الأوكرانية والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، الصادرة في 23 فبراير 2026، إجمالي احتياجات إعادة الإعمار والتعافي في أوكرانيا بنحو "588 مليار دولار" خلال السنوات العشر المقبلة، استنادًا إلى الأضرار المسجلة حتى نهاية ديسمبر 2025. ويمثل هذا الرقم نحو ثلاثة أمثال الناتج المحلي الإجمالي الاسمي المتوقع لأوكرانيا في 2025، بحسب البنك الدولي.

21.8 تريليون دولار.. تكلفة العنف على الاقتصاد العالمي

وعلى المستوى العالمي، قدر مؤشر السلام العالمي 2026 الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام أن العنف كلف الاقتصاد العالمي نحو "21.8 تريليون دولار خلال عام 2025" بزيادة 3.2% عن العام السابق. وتشمل هذه التكلفة الإنفاق العسكري والأمن الداخلي والأمن الخاص، إلى جانب تكاليف القتل والانتحار وشؤون المحاربين القدامى وغيرها من التداعيات الاقتصادية المرتبطة بالعنف.

وبحسب المؤشر، استحوذ الإنفاق العسكري على 43.3% من التكلفة، بينما مثل الإنفاق على الأمن الداخلي 29.1%، وبلغت قيمة الإنفاق العسكري العالمي نحو "9.5 تريليون دولار" في 2025.

الحرب لا تضرب الدولة وحدها

ولا تتوقف الخسائر عند حدود الدول التي تدور فيها المعارك، إذ تمتد تداعيات النزاعات إلى الدول المجاورة والشركاء التجاريين عبر اضطراب التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد وارتفاع أسعار السلع والطاقة.

ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن الناتج في الدول التي تشهد حروبًا ينخفض في المتوسط بنحو 3% في بداية الصراع، ثم تتراكم الخسائر لتصل إلى نحو 7% خلال خمس سنوات، مع استمرار الآثار الاقتصادية حتى بعد مرور عقد على انتهاء الصراع.

كما تشير تحليلات الصندوق إلى أن الدول المجاورة والشركاء التجاريين تتعرض بدورها لخسائر في الناتج، وإن كانت أقل من الخسائر التي تتحملها الدول التي تدور فيها الصراعات، نتيجة اضطرابات التجارة والاستثمار وارتفاع حالة عدم اليقين.

 20 دولة.. أزمات إنسانية مركزة وفاتورة اقتصادية أوسع

وتكشف قائمة لجنة الإنقاذ الدولية أن بؤر الأزمات الإنسانية تتركز في مجموعة محدودة من الدول، بينما تتجاوز آثار الصراعات حدودها الجغرافية لتطال الإنتاج والبنية التحتية وفرص العمل والاستثمار، فضلًا عن التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.

وتضم قائمة IRC لعام 2026: السودان، الأراضي الفلسطينية المحتلة، جنوب السودان، إثيوبيا، هايتي، ميانمار، جمهورية الكونغو الديمقراطية، مالي، بوركينا فاسو، لبنان، أفغانستان، الكاميرون، تشاد، كولومبيا، النيجر، نيجيريا، الصومال، سوريا، أوكرانيا واليمن.

وتشير هذه الأرقام إلى أن تكلفة النزاعات لا يمكن قياسها فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار المباشر، إذ تمتد إلى سنوات من تراجع الإنتاج والاستثمار وارتفاع الإنفاق الأمني، فضلًا عن تكلفة إعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية.