تجاوز الدين الوطني الأمريكي حاجز "40 تريليون دولار"، في محطة جديدة تثير القلق بشأن المسار المالي لأكبر اقتصاد في العالم، خصوصًا مع استمرار العجز وارتفاع تكلفة الاقتراض. ووفقًا لأحدث بيانات وزارة الخزانة الأمريكية، تجاوز إجمالي الدين هذا المستوى للمرة الأولى، بعدما تضاعف تقريبًا خلال أقل من عقد، ما أعاد ملف الديون إلى صدارة النقاش الاقتصادي.
تقول مايا ماكجينيز، رئيسة لجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة، إن الولايات المتحدة احتاجت قرابة 200 عام للوصول إلى أول تريليون دولار من الدين عام 1981. وقتها وصف الرئيس رونالد ريغان الرقم بأنه جرس إنذار، بينما أصبحت الولايات المتحدة اليوم تنفق على فوائد الدين مبالغ ضخمة تتجاوز في بعض المقاييس الإنفاق على الدفاع.
كيف تضخم الدين الأمريكي بهذه السرعة؟
وبحسب تقرير نشرته "بي بي سي" فإن ارتفاع الدين لم يكن نتيجة عامل واحد، بل جاء من تراكم الإنفاق الحكومي والبرامج الاجتماعية وتخفيضات الضرائب، إلى جانب الاقتراض الضخم خلال أزمات كبرى مثل الأزمة المالية عام 2008 وجائحة كورونا. وخلال إدارتي دونالد ترامب وجو بايدن، ارتفع الاقتراض بصورة كبيرة، بينما ظلت الإيرادات أقل من الإنفاق.
وبحسب اللجنة الاقتصادية المشتركة في الكونجرس، ارتفع الدين خلال العام الأخير بنحو "7.8 مليار دولار يوميًا، أو قرابة 90 ألف دولار كل ثانية". كما أن الدين الذي كان أقل بقليل من 20 تريليون دولار في بداية رئاسة ترامب الأولى عام 2017، تجاوز الآن حاجز 40 تريليون دولار.
ولا تتعلق المشكلة بحجم الدين فقط، وإنما بتكلفة تمويله. يقول إريك سوانسون، أستاذ الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا وكبير الاقتصاديين السابقين في الاحتياطي الفيدرالي، إن أسعار الفائدة طويلة الأجل وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، بسبب المخاوف من التضخم ومن ضخامة الاقتراض الحكومي.
ويوضح الاقتصادي محمد العريان، أستاذ كلية وارتون، أن ارتفاع الفائدة يجعل تمويل العجز أكثر تكلفة، مشيرًا إلى أن مدفوعات الفائدة ارتفعت بنحو 15% عن العام السابق، وأصبحت تستهلك قرابة 20% من الإيرادات الضريبية. وتؤكد بيانات حديثة أن تكلفة خدمة الدين أصبحت تتجاوز الإنفاق الدفاعي الأمريكي، في مؤشر على حجم العبء المتزايد.
ارتفاع الفائدة يضاعف فاتورة الديون
ارتفاع الدين بدأ يضغط أيضًا على سوق السندات الأمريكية، إذ يطالب المستثمرون بعوائد أعلى مقابل إقراض الحكومة، في وقت تنافس فيه شركات التكنولوجيا التي تنفق بكثافة على الذكاء الاصطناعي الحكومة على أموال المستثمرين. وكلما ارتفعت العوائد المطلوبة، ارتفعت تكلفة الاقتراض على واشنطن، ما يزيد بدوره من فاتورة الفوائد.
وتحذر هذه الديناميكية من حلقة مفرغة، إذ أن ارتفاع الدين يرفع مخاوف المستثمرين، فتزداد العوائد المطلوبة، ثم ترتفع تكلفة خدمة الدين، ما يدفع الحكومة إلى اقتراض المزيد. وقد تدخلت وزارة الخزانة مؤخرًا لدعم الطلب على السندات من خلال زيادة عمليات إعادة شراء الدين، لكن تأثير الخطوة كان قصير الأجل مع عودة تكاليف الاقتراض طويلة الأجل للارتفاع.
تقترب الولايات المتحدة من سقف دين يبلغ "41.1 تريليون دولار"، بينما تشير توقعات مكتب الميزانية في الكونجرس إلى إمكانية وصول الدين إلى نحو "64 تريليون دولار بحلول 2036". ومع ذلك، لا يرى الاقتصاديون أن الانهيار وشيك، فحجم الاقتصاد الأمريكي ومكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية يمنحان واشنطن مساحة أكبر من دول أخرى.
لكن المخاطر لا يمكن تجاهلها. ويشير تشارلي بين، أستاذ الاقتصاد الفخري في كلية لندن للاقتصاد، إلى أن ارتفاع نسبة الدين إلى حجم الاقتصاد قد يؤدي في مرحلة معينة إلى موجة بيع للسندات الأمريكية واضطرابات في الأسواق، مؤكدًا أنه لا يوجد رقم سحري يمكن عنده القول إن "الكارثة" ستبدأ.
كيف يصل الدين الأمريكي إلى جيوب المواطنين؟
النتيجة قد تظهر تدريجيًا في حياة الأسر الأمريكية، من خلال ارتفاع أسعار الرهون العقارية وقروض السيارات وبطاقات الائتمان، إضافة إلى زيادة تكاليف تمويل الشركات التي قد تنقل جزءًا من هذه الأعباء إلى المستهلكين عبر أسعار أعلى. ويكون أصحاب الدخول المنخفضة أكثر عرضة للتأثر بهذه الزيادات.
ولهذا، تقول ماكجينيز إن تأثير الدين "يجد طريقه إلى جيوب الناس بطريقة أو بأخرى"، بينما يرى العريان أن استمرار النمو الاقتصادي يمكن أن يخفف المشكلة، لأن نمو الاقتصاد يعني إيرادات ضريبية أكبر وقدرة أفضل على تمويل الإنفاق وخدمة الدين.
الخيارات المطروحة ليست سهلة، فقد تحتاج الولايات المتحدة إلى إصلاحات ضريبية، أو خفض الإنفاق، أو إجراءات تقشفية، بينما يبقى إعادة هيكلة الدين خيارًا أكثر حساسية. وفي المقابل، لا توجد مؤشرات واضحة على خفض كبير للعجز خلال العامين أو الثلاثة المقبلة، خصوصًا مع استمرار الحديث السياسي عن تخفيضات ضريبية.
ومع اقتراب انتخابات منتصف المدة، سيكون خفض تكلفة المعيشة وتحسين الأداء الاقتصادي أولوية سياسية للبيت الأبيض، لكن معالجة العجز تتطلب قرارات قد تكون غير شعبية. وهنا تكمن المشكلة: "كلما تأخرت واشنطن في التحرك، أصبحت الخيارات أصعب وأكثر تكلفة".











