شهدت العاصمة الصينية بكين قمة ثنائية جمعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بالزعيم الصيني شي جين بينغ، حيث تصدرت أجندة المباحثات ملفات الطاقة الحيوية، وعلى رأسها مشروع خط أنابيب الغاز الطبيعي "قوة سيبيريا 2" المتعثر منذ فترة طويلة.
وتأتي هذه التحركات في توقيت حساس تشهد فيه إمدادات الطاقة العالمية اضطرابًأ ملحوظًا جراء الحرب الإيرانية التي ادت إلى تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر من خلاله نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية.
ما هو مشروع "قوة سيبيريا 2"؟
يمتد خط الأنابيب المخطط له على مسافة 2600 كيلومتر، بهدف نقل 50 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا من حقول يامال الغنية في روسيا إلى الأسواق الصينية عبر أراضي منغوليا. ورغم أن موسكو وبكين قد وقعتا بالفعل مذكرة تفاهم ملزمة قانونيًا للمضي قدمًا في عمليات البناء في سبتمبر 2025، إلا أن المشروع لا يزال يواجه عقبات جوهرية تتعلق بآليات التسعير وشروط التمويل والجدول الزمني النهائي للتسليم.
وتكمن نقطة الخلاف الأساسية في رغبة الصين بأن تتطابق شروط تسعير خط الأنابيب الجديد مع أسعار الغاز المحلية داخل روسيا، والتي تتراوح بين 120 و130 دولارًا لكل 1000 متر مكعب، في حين تصر موسكو على اعتماد شروط سعرية تجعل المشروع أقرب إلى معدلات خط "قوة سيبيريا 1"، وهو ما يقدر المحللون أنه سيزيد عن ضعف الرقم الذي تطمح إليه بكين.
وتظهر المؤشرات الحالية أن الصين تمثل بالفعل شريكًا ومشتريًا رئيسيًا لقطاع الطاقة الروسي؛ حيث قفزت وارداتها من النفط الروسي بنسبة 35% على أساس سنوي خلال الربع الأول من العام، وفقًا لشبكة "CNBC".
مشروع مكمّل لـ "قوة سيبيريا 1"
ومن المتوقع أن يشكل خط الأنابيب الإضافي المقترح مكملًا حيويًا لنظام "قوة سيبيريا 1" الحالي، والذي يمد الصين حاليًا بنحو 38 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا، وسط اتفاق مبدئي بين البلدين على توسيع طاقته الاستيعابية السنوية بشكل أكبر لتلبية الاحتياجات المتزايدة.
وخلال مؤتمر صحفي مشترك عُقد في أعقاب المباحثات، جدد الرئيس الروسي تأكيد جاهزية بلاده لمواصلة إمداد الصين بالطاقة بشكل موثوق ومستدام، مشيرًا إلى وجود إمكانات هائلة ومستقبل واعد في مشروعات الطاقة المتجددة المشتركة. كما أفاد بأن التعاون في قطاع الطاقة يشهد نشاطًا كبيرًا، كون روسيا تعد من أكبر مصدري النفط والغاز الطبيعي (بما في ذلك الغاز المسال)، والفحم إلى السوق الصينية سريعة النمو، مؤكدًا الالتزام بضمان استمرارية هذه الإمدادات دون انقطاع.
وبينما وصف بوتين محادثاته مع شي بأنها كانت ودية ودافئة وبنّاءة، مؤكدًا أن العلاقات الثنائية تمر بمستوى متطور غير مسبوق، فإنه لم يتطرق بشكل مباشر علني في تصريحاته إلى خط "قوة سيبيريا 2". إلا أن المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، أوضح لاحقًا أن الطرفين توصلا بالفعل إلى تفاهم بشأن المعايير الرئيسية للمشروع، مستدركًا بأن بعض التفاصيل الدقيقة لا تزال بحاجة إلى تسوية وصقل، دون الإعلان عن إطار زمني محدد للتنفيذ.
"سلاح ذو حدين" للطرفين
وتلقي التطورات العسكرية الأخيرة بظلالها على حسابات الطرفين؛ إذ أدت الحرب الأمريكية الإيرانية التي اندلعت في أواخر فبراير إلى إغلاق مضيق هرمز فعليًا، وهو ما ترتب عليه تعطل نصف واردات الصين النفطية ونحو ثلث إمداداتها من الغاز الطبيعي المسال.
ورغم أن هذه الصدمة القوية في أسواق الطاقة تخلق حوافزًا وضغوطًا جديدة تدفع بكين لتسريع وتيرة إيجاد خطوط برية بديلة تتجاوز الممرات البحرية الخطرة، إلا أن المحللين يبدون تشككًا في أن يؤدي ذلك إلى إضعاف موقفها التفاوضي الصارم. حيث تستند الصين في صلابة موقفها إلى عوامل جيواستراتيجية واقتصادية متينة، أبرزها امتلاكها مخزونًا ضخمًا من النفط الخام البري يُقدر بنحو 1.23 مليار برميل، وهي كمية كافية تمامًا لتغطية احتياجات التكرير المحلية لنحو 92 يومًا.
بالإضافة إلى نمو إنتاجها المحلي من الغاز بنسبة 2.7% خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام، واعتمادها المتزايد على خطوط أنابيب آسيا الوسطى الأخرى كقنوات إمداد بديلة وإضافية تضمن لها الاستقلالية والمرونة بعيدًا عن النظام الروسي.
على الجبهة الأخرى، تعاني روسيا من ضغوط شديدة جراء انهيار صادراتها من الغاز إلى أوروبا منذ غزوها لأوكرانيا عام 2022، حيث تراجعت شحنات شركة الطاقة العملاقة "غازبروم" بنسبة 44% العام الماضي لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ عقود.
ويرى خبراء استراتيجيون أن خط "قوة سيبيريا 2" يمثل سلاحًا ذو حدين لكلا الطرفين؛ فبسبب ضخامته، قد يضع موسكو في موقف حرج يجعل اقتصادها معتمدًا بشكل شبه كلي على عميل واحد، بينما ستضطر بكين بموجبه إلى التخلي عن مخاوفها الأمنية بشأن الطرق البحرية في مضيق هرمز مقابل وقوعها في فخ التبعية والاعتماد المباشر على طاقة تتحكم بها روسيا.














