أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جزيرة غرينلاند إلى دائرة الضوء الدولي، بعد تصريحاته المتجددة التي لوّح فيها بفرض نفوذ الولايات المتحدة على منطقة القطب الشمالي. وأثارت هذه التصريحات موجة انتقادات حادة من قادة أوروبيين ومن الحكومة الدنماركية، التي تتمتع غرينلاند بالحكم الذاتي في إطارها السياسي.
ورغم أن الأهمية الجيوسياسية لموقع غرينلاند كانت دائمًا حاضرة في النقاشات الدولية، فإن عاملًا آخر بات يحتل موقعًا متقدمًا في الاهتمام العالمي، يتمثل في الثروات المعدنية الضخمة التي تختزنها الجزيرة، وعلى رأسها العناصر الأرضية النادرة، التي أصبحت عنصرًا حاسمًا في الصراع الدولي على تأمين الموارد الاستراتيجية.
وتسلّط المقارنات العالمية بين إنتاج واحتياطيات العناصر الأرضية النادرة الضوء على وضع غرينلاند، إذ تظهر الجزيرة كأحد أكبر المخازن غير المستغلة لهذه المعادن، في وقت يشهد فيه العالم منافسة متصاعدة للحد من الاعتماد على مورد واحد. وتعتمد هذه المقارنات على بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) الصادرة حتى عام 2024.

احتياطيات غرينلاند من العناصر الأرضية النادرة مقابل بقية الدول
الصين تهيمن على السوق العالمي للعناصر الأرضية النادرة
لا تزال الصين اللاعب الأكثر تأثيرًا في سوق العناصر الأرضية النادرة عالميًا، حيث سجلت خلال عام 2024 إنتاجًا يقارب 270 ألف طن متري، وهو ما يزيد على نصف إجمالي الإنتاج العالمي. كما تمتلك الصين أكبر احتياطي معروف من هذه العناصر، يقدَّر بنحو 44 مليون طن متري. ويمنح هذا التفوق المزدوج، من حيث الاحتياطيات وحجم الإنتاج، بكين قدرة واسعة على التحكم في سلاسل الإمداد لقطاعات حيوية تشمل صناعة السيارات الكهربائية، والتقنيات المتقدمة، والأنظمة الدفاعية.
وتُظهر الأرقام أن عددًا من الدول التي تمتلك احتياطيات كبيرة من العناصر الأرضية النادرة لا تلعب دورًا محوريًا في الإنتاج العالمي. فالبرازيل، رغم امتلاكها أحد أكبر الاحتياطيات عالميًا، لا تشارك فعليًا في السوق، وهو ما ينطبق أيضًا على الهند وروسيا وفيتنام، حيث لا يزال التطوير والاستخراج عند مستويات محدودة.
غرينلاند بين الثروة المؤجلة والاهتمام الدولي
تقدّر احتياطيات غرينلاند من العناصر الأرضية النادرة بنحو 1.5 مليون طن متري، وهو رقم يتجاوز احتياطيات دول صناعية مثل كندا وجنوب أفريقيا. ومع ذلك، لم تدخل الجزيرة حتى الآن مرحلة الإنتاج التجاري لهذه المعادن.
ويرجع هذا التأخر إلى مجموعة من العوامل، أبرزها القوانين البيئية الصارمة، وضعف البنية التحتية، إضافة إلى معارضة سياسية وشعبية محلية لمشاريع التعدين واسعة النطاق. غير أن تنامي القلق العالمي بشأن أمن سلاسل التوريد، خاصة في الاقتصادات الكبرى، جعل تجاهل موقع غرينلاند في هذه المعادلة أمرًا متعذرًا.
ويعكس اهتمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالجزيرة بُعدًا عمليًا يتجاوز الجدل السياسي، إذ تُعد العناصر الأرضية النادرة مكونًا أساسيًا في الصناعات المتقدمة، وتقنيات الطاقة النظيفة، والقدرات العسكرية. ومع استمرار الصين في تعزيز موقعها كمصدر رئيسي لهذه المعادن، يتزايد توجه صناع القرار في واشنطن نحو البحث عن بدائل استراتيجية، وتبرز غرينلاند كأحد الخيارات المطروحة بقوة على الساحة الدولية.
اقرأ أيضًا:
غرينلاند تشعل التوتر بين الناتو والولايات المتحدة
رئيس وزراء غرينلاند يحسم موقفه بشأن الانضمام لأمريكا
لماذا لم تعلق روسيا على طموحات ترامب في غرينلاند؟













